مشاهدة النسخة كاملة : ------------ شخصيات اسلامية ---------------
أبو بكر بن عبد الرحمن
أحد فقهاء المدينة، الذين كانت تدور عليهم الفتوى، وأحد الفقهاء الذين اتخذهم عمر بن عبد العزيز للشورى، فكان لا يقضي أمرا إلا بعد أن يعرضه عليهم، كان ثقة، فقيها، كثير الحديث، عالما عاقلا، سخيا، يقصده الناس للاستعانة به في قضاء حوائجهم سواء من ماله الخاص، أو في الشفاعة لهم عند أصحاب السلطان، إذ كان له مكانة خاصة، وصداقة لعبد الملك كان يستعملها في عون أصحاب الحاجات عند أهل الحل والعقد من ذوي الجاه والسلطان.
أبوه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، المعروف بالشريد، وأمه فاختة بنت عتبة بن سهيل بن عمرو، أتى بهما من الشام، فسماهما عمر بن الخطاب الشريدين، وقال: زوجوا الشريد الشريدة، لعل الله ينشر منهما خيرا فتزوجا، وأقطعهما عمر بالمدينة خطة أوسع لهما فيها، فقيل له: أكثرت لهما يا أمير المؤمنين، فقال: عسى الله أن ينشر منهما ولدا كثيرا رجالا ونساء، وكأنما كان عمر ينظر بظهر الغيب، فقد كان لأبي بكر أخوة أشقاء هم: عمر وعثمان، وعكرمة وخالد ومحمد، وأختهم حنتمة، والمغيرة وأبو سعيد من أمهات أخريات.
وقد سرت الأمور بأبي بكر حتى صار سيدا من سادات قريش علما وكرما وسخاء وأمانة وسداد رأي، ومكانة مرموقة، وكان ذا منزلة عالية عند عبد الملك بن مروان، حتى إنه لما حضرته الوفاة أوصى ابنه الوليد قائلا: يا بني إن لي بالمدينة صديقين، فاحفظني فيهما، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وكان يقول: إني لأهم بالشيء أفعله بأهل المدينة لسوء أثرهم عندنا، فأذكر أبا بكر بن عبد الرحمن فأستحي منه، فأدع ذلك الأمر. وكانت مكانة أبي بكر هذه تجعل الناس يقدمون إليه يسألونه أن يعاونهم في سداد ما حل بهم من مغارم، لما عرف عنه من المسارعة في مثل هذه الأمور.
فقد ذكر أن جماعة من بني أسد بن خزيمة، وفدوا عليه يسألونه أن يتحمل عنهم دماء "ديات" كانت بينهم ـ وكانت عادة العرب أن يتجهوا بمثل هذه القضايا إلي من تدفعهم هممهم العالية، وشرفهم أن يتحملوا المغارم عن الناس حتى يحل السلام بينهم ـ فتحمل أربع ديات، ورأى أن يستعين بأخيه المغيرة بن عبد الرحمن، وكان جوادا أيضا في تحمل هذه الديات، وكان لأبي بكر ولد شاب عاقل كان يصحب أباه إلي المسجد بعدما كف بصره، فقال له أبوه: يا بني اذهب إلي عمك المغيرة ابن عبد الرحمن، فأعلمه ما حملنا من هذه الديات، وأسأله المعونة. فلما ذهب إلي عمه، وأخبره بما قاله أبوه، لم تطب نفسه بالمعاونة، وقال لابن أخيه: أكثر علينا أبوك. وينصرف الفتى من لقاء عمه غير الناجح، وتمضي أيام لا يذكر لأبيه ما رد به عمه عليه، حرصا على حسن الصلات بينهما، وذات يوم وهما في الطريق إلي المسجد، سأله أبوه: أذهبت إلي عمك؟
فأجاب: نعم. وسكت.
وأدرك أبو بكر من سكوت ابنه أنه لم يجد عند عمه ما يحب، وكأنما أعجب أبا بكر مسلك ابنه الحكيم، فأراد أن يغريه بالمداومة على هذا التصرف النبيل. من الحرص على سلامة القلوب بين الأشقاء. فقال له: يا بني، لا تخبرني ما قال لك، فإن لا يفعل أبو هاشم "يعني أخاه المغيرة" فربما افعل، وأغد غدا إلي السوق، فخذ لي عينه "يعني مما يباع" فغدا عبد الله إلي السوق، ففعل ما أمره به أبوه. ثم باعها. وأقام أياما ما يبيع في السوق طعاما ولا زيتا غير عبد الله بن أبي بكر من تلك العينة، فلما فرغ أمره أبوه أن يدفعها إلي الأسديين ففعل.
أما المغيرة بن عبد الرحمن أخو أبو بكر، فكان أيضا جوادا وكان يطعم الطعام حيثما ينزل. وينحر الجزور، ويطعم من جاء، وكان قد شارك في الغزو مع مسلمة بن عبد الملك في بلاد الروم، وأصيب عينه في إحدى هذه الغزوات، فصار أعور، ومن طريف ما وقع له بعد ذلك أنه بذل الطعام للناس في يوم من الأيام، التي تعود أن يفعل فيها ذلك، وكان بين الطاعمين أعرابي جعل يديم النظر إلي المغيرة، ولا تمتد يده إلي الطعام، ولفت تصرفه نظر المغيرة فسأله: ألا تأكل من هذا الطعام؟ مالي أراك تديم النظر إلي.
فقال البدوي في صراحة الصحراء التي لا تعرف المواربة: إنه ليعجبني طعامك، وتريبني عينك.
قال: وما يريبك من عيني؟
قال: أراك أعور، وأراك تطعم الطعام، وهذا صفة الدجال.
فقال له المغيرة: إن الدجال لا يصاب بعينه في سبيل الله.
وقد أجرى سخاء المغيرة ألسن الشعراء بالثناء عليه، فقد قدم الكوفة يوما، فنحر الجزور، وأطعم الطعام، والثريد على الأنطاع، فقال الأقيشر الأسدي:
أتاك البحر طم على قريش ومن أوتار عقبة قد شفاني فلا يغررك حسن الرأي منهم مغيري وقد راع ابن بشر ورهط الحاطبي ورهط صخر ولا سرج ببزيون ونحر
ومن سخاء المغيرة أنه وقف ضيعة على طعام يصنع بمنى أيام الحج. وكان أخوه عكرمة أيضا من ذوي الشأن في أيامه، وكان ثقة، قليل الحديث، وفيه يقول حكيم بن عكرمة الديلي لما تزوج بنت عمر بن عبد الله بن معمر:
تبشر يا ابن مخزوم بخود أتتك بمال شيراز وفسا فتلك مآثر الأموال لا ما أبوها من بني تيم الرباب وسايور الذي دون التقاب تجمع يوم سعدي والرباب
هذا حديث عابر عن أخوي أبي بكر قد كان لهما شأن في قومهما أما أبو بكر فقد ولد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان يوم الجمل لما يبلغ مبلغ الرجال بعد، فقد استصغر ورد هو وعروة بن الزبير، وهذا يعني أن فقده بصره كان بعد أن تقدمت به السن، وسمى راهب قريش لكثرة صلاته ولفضله، وقد روي عن أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وعن أبي مسعود الأنصاري.
وكان شأنه شأن فتيان قريش. له من النعمة واليسار ما يجعل حياته سهلة رخية، فقد كان يلبس كساء الخز، ويميل إلي الأناقة في مظهره وملبسه. فكان يأخذ من شاربه أخذا حسنا، ولا يحفيه، وفي مظهره ذلك مشابهة كثيرة مما عرف عن سعيد بن المسيب وسواه من فقهاء المدينة.
كان أبو بكر حريصا على أن يكون حسن السمعة، طيب الأحدوثة، معروفا بالأمانة والثقة، فقد استودع عنده عروة بن الزبير مالا لبني مصعب، فأصيب ذلك المال، وذهب كله أو بعضه في ظروف لا مسئولية لأبي بكر عنها. فأرسل إليه عروة يقول: لا ضمان عليك، إنما أنت مؤتمن، ولكن أبا بكر لا ترضى له همته ولا مكانته ذلك، وعلى الرغم من أنه يعرف أنه لا ضمان عليه ـ إذ كان كلاهما فقيها ـ فقد أبى إلا أن يرد المال الضائع، وقال: قد علمت أن لا ضمان على، ولكن لم تكن لتحدث قريش أن أمانتي خربت، وباع جانبا من أملاكه، فقضى بثمنه ما فقد.
وكان أحد الفقهاء الذين كان يستشيرهم عمر بن عبد العزيز إذا ما عرضت له قضية، وكان ممن صحب عمر بن عبد العزيز لتلقي الوليد حين حضوره إلي المدينة. ولما فسد الأمر بين سعيد بن المسيب وإسماعيل بن هشام المخزومي والي المدينة أيام عبد الملك حاول أن يكسر حدة الخلاف، ويوقع الصلح بين سعيد والوالي، وواجهه سعيد بعنف وهو في محبسه، ولكنه لم يتأثر منه، لأنه كان يريد إزالة الجفوة بينهما، ومن متابعة الحوار الذي دار بينهما يتبين أن أبا بكر كان هادئ الطبع لين العريكة، يحب أن يعالج الأمور في أناة ورفق، بدون تحد ولا عناد، على النقيض من سعيد بن المسيب الذي كان حاد الطبع، والذي جرت عليه صلابته كثيرا من المتاعب والآلام.
وقد أثر عن أبي بكر أنه كان يقول: إنما هذا العلم لواحد من ثلاثة، لذي نسب يزين به نسبه أو لذي دين يزين به دينه، أو مختلط بسلطان ينتجعه به، ولا أعلم أحدا أجمع لهذه الخلال من عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، كلاهما ذو دين وحسب، ومن السلطان بمنزل. وكان منهج أبي بكر هو منهج فقهاء المدينة الذين يتزعمهم سعيد بن المسيب، وكانت لهم وجهة نظر تكاد تكون واحدة في تناول المشكلات المختلفة، وقد روي عن أبي بكر أنه قال: ما عليه أهل المدينة هو السنة. وقد أخذ عنه كثير من مشاهير العلماء في عصره، ومن أبرزهم ابن شهاب الزهري، الذي عده من بين الأربعة الذين لاقى بهم بحورا. وروي عنه أولاده عبد الملك، وعمر، وعبد الله، وسلمة، وأشهر أولاده في الرواية عنه هو عبد الملك.
وفاته
وقد جرى على أبي بكر ما جرى ويجري على كل حي، فانتقل إلي رحمة ربه سنة أربع وتسعين هجرية على الأرجح، وكانت تسمى سنة الفقهاء لكثرة من توفى فيها. وقيل في وفاته: إنه صلى العصر، فدخل فغتسله فسقط، فجعل يقول: والله ما أحدثت في صدر نهاري هذا شيئا، فما غرب الشمس حتى انتقل إلي رحمة الله
الإمام أبو حنيفة النعمان
لم يختلف الناس على رجل كما اختلف آراؤهم في أبي حنيفة النعمان .. تغالي البعض في تقديره حتى زعم أنه أوتى الحكمة كلها، وأنه يتلقى علمه عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يشبه الرؤيا أو الرؤية! واشتط الآخرون في كراهيته، حتى لقد اتهموه بالمروق عن الدين، وبالإلحاد والزندقة، وباستيراد المبادئ الهدامة من الديانات الوثنية ومن عباد النار .. وأعمى العداء آخرين، فأذاعوا عنه أنه مجوسي مدسوس على الإسلام ليحدث خرقا في الإسلام!! كان هذا التطرف في الأحكام المتناقضة هو طابع العصر الذي عاش فيه أبو حنيفة، وهو في الوقت نفسه نتيجة سلوك الشيخ وسيرته واقتحاماته الفكرية الجسور ..
ذلك أنه كان يدعو إلي الأخذ بالرأي لا يبالي في رأيه بأحد .. فقد كان عارفا بأحوال الحياة، مستوعبا كل ثقافة من سبقوه ومن عاصروه، خبيرا بالرجال، شديدا على أهل الباطل، مرير السخرية بالمزيفين، لاذعا مع المنافقين من متعاطي الفقه والعلم والثقافة في عصره .. وهو عصر غريب حقا .. عصر ملئ بالتطرفات .. هو ذلك العصر الباهر من الفتوحات والثراء الفكري .. عصر الأئمة العظام: محمد الباقر وزيد بن علي وجعفر الصادق ومالك بن أنس والليث بن سعد .. وهو في الوقت نفسه عصر الصعاليك الكبار، والمنافقين والمزيفين..!! عصر عامر بالبطولات والأحلام والخطر والغنى الروحي والاقتحام والمتاع..!! عصر يدوي على الرغم من كل شيء بأصداء المأساة، تفعمه الأحزان، ملتهب بالأشواق إلي العدل وبالحنين إلي الرحمة والصدق والإحسان وبالشجن! .. في ذلك العصر ولد أبو حنيفة النعمان بالكوفة سنة 80 هـ من أسرة فارسية، وسمي النعمان تيمنا بأحد ملوك الفرس ..
من أجل ذلك كبر على المتعصبين العرب أن يبرز فيهم فقيه غير عربي الأصل .. حاول بعض محبيه أن يفتعل له نسبا عربيا .. ولكنه كان لا يحفل بهذا كله فقد كان يعرف أن الإسلام قد سوى بين الجميع، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم احتضن سلمان الفارسي وبلالا الحبشي، وكانا من خيرة الصحابة حتى لقد كان الرسول يقول "سلمان منا أهل البيت" وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عن بلال: "سيدنا بلال". ولقد شهد أبو حنيفة في طفولته فظائع الحجاج والي العراق وبطشه بكل من يعارض الأمويين حتى الفقهاء الأجلاء، فدخل في نفسه منذ صباه عزوف عن الأمويين واستنكار لاستبدادهم، ورفض للطغيان .. ثم أنه ورث عن أبيه وأمه حبا لآل البيت فما كان في ذلك العصر رجال ينبذون التفرقة بين المسلمين العرب وغير العرب إلا آل البيت.
وقد تمكن حب آل البيت من قلبه عندما تعرف على أئمتهم وتلقى عنهم، وعندما عاين أشكال الاضطهاد التي يكابدونها في كل نهار وليل! .. حتى لقد شاهد الإمام الصادق واقفا يستمع إليه وهو يفتي في المدينة فوقف قائلا: "يا ابن رسول الله، لا يراني الله جالسا وأنت واقف". وكان أبوه تاجرا كبيرا فعمل معه وهو صبي، وأخذ يختلف إلي السوق ويحاور التجار الكبار ليتعلم أصول التجارة وأسرارها، حتى لفت نظر أحد الفقهاء فنصحه أن يختلف إلي العلماء فقال أبو حنيفة: "إني قليل الاختلاف إليهم" فقال له الفقيه الكبير: "عليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء فإني أرى فيك يقظة وفطنة". ومنذ ذلك اليوم وهب الفتى نفسه للعلم، واتصل بالعلماء ولم تنقطع تلك الصلة حتى آخر يوم في حياته .. ولكم عانى وعانى منه الآخرون في هذا الميدان الجديد الذي استنفر كل مواهبه وذكائه وبراعته!!
وانطلق الفتى الأسمر الطويل النحيل بحلة فاخرة، يسبقه عطره، ويدفعه الظمأ إلي المعرفة، يرتاد حلقات العلماء في مسجد الكوفة .. وكأن بعضها يتدارس أصول العقائد (علم الكلام)، وبعضها للأحاديث النبوية، وبعضها للفقه وأكثرها للقرآن الكريم .. ثم مضى ينشد العلم في حلقات البصرة. وبهرته حلقة علماء الكلام، لما كان يثور فيها من جدل مستعر يرضي فتوته. ولزم أهل الكلام زمنا ثم عدل عنهم إلي الحلقات الأخرى .. فقد اكتشف عندما نضج أن السلف كانوا أعلم بأصول العقائد ولم يجادلوا فيها، فلا خير في هذا الجدل. ومن الخير أن يهتم بالتفقه في القرآن الكريم والحديث. وانتهت به رحلاته بين البصرة والكوفة إلي العودة إلي موطنه بالكوفة، وإلي الاستقرار في حلقات الفقه، لمواجهة الأقضية الحديثة التي استحدثت في عصره، ولدراسة طرائق استنباط الأحكام.
وكان أبوه قد مات، وترك له بالكوفة متجرا كبيرا للحرير يدر عليه ربحا ضخما، فرأى أبو حنيفة أن يشرك معه تاجرا آخر، ليكون لديه من الوقت ما يكفي لطلب العلم وللتفقه في الدين ولإعمال الفكر في استنباط الأحكام .. ودرس على عدة شيوخ في مسجد الكوفة ثم استقر عند شيخ واحد فلزمه .. حتى إذا ما ألم بالشيخ ما جعله يغيب عن الكوفة، نصب أبا حنيفة شيخا على الحلقة حتى يعود .. وكانت نفس أبي حنيفة تنازعه أن يستقل هو بحلقة، ولكنه عندما جلس مكان أستاذه سئل في مسائل لم تعرض له من قبل، فأجاب عليها وكانت ستين مسألة. وعندما عاد شيخه عرض عليه الإجابات، فوافقه على أربعين، وخالفه في عشرين .. فأقسم أبو حنيفة ألا يفارق شيخه حتى يموت.
ومات الشيخ وأبو حنيفة في الأربعين، فأصبح أبو حنيفة شيخا للحلقة وكان قد دارس علماء آخرين في رحلات إلي البصرة وإلي مكة والمدينة خلال الحج والزيارة، وأفاد من علمهم، وبادلهم الرأي، ونشأت بينه وبين بعضهم مودات، كما انفجرت خصومات. ووزع وقته بين التجارة والعلم .. وأفادته التجارة في الفقه، ووضع أصول التعامل التجاري على أساس وطيد من الدين .. كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو مثله الأعلى في التجارة: حسن التعامل، والتقوى، والربح المعقول الذي يدفع شبهة الربا .. جاءته امرأة تبيع له ثوبا من الحرير وطلبت ثمنا له مائة .. وعندما فحص الثوب قال لها "هو خير من ذلك" فزادت مائة .. ثم زادت حتى طلبت أربعمائة فقال لها: "هو خير من ذلك" فقالت: أتهزأ بي؟ فقال لها: "هاتي رجلا يقومه" فجاءت برجل فقومه بخمسمائة ..
وأرادت امرأة أخرى أن تشتري منه ثوبا فقال: "خذيه بأربعة دراهم" فقالت له: "لا تسخر مني وأنا عجوز" فقال لها "إني اشتريت ثوبين فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فبقى هذا الثوب على أربعة دراهم". وذهب إلي حلقة العلم يوما، وترك شريكه في المتجر، وأعلمه أن ثوبا معينا من الحرير به عيب خفي، وأن عليه أن يوضح العيب! .. وظل أبو حنيفة يبحث عن المشتري ليدله على العيب، ويريد إليه بعض الثمن، ولكنه لم يجده، فتصدق بثمن الثوب كله، وانفصل عن شريكه .. بهذا الحرص كان يتعامل في تجارته مع الناس، وفي فهمه للنصوص، وفي استنباطه للقواعد والأحكام .. وعلى الرغم من أنه كان يكسب أرباحا طائلة، فقد كان لا يكنز المال .. فهو ينفق أمواله على الفقراء من أصدقائه وتلاميذه.
ويحتفظ بما يكفيه لنفقة عام ويوزع الباقي على الفقراء والمعسرين .. فإذا عرف أن أحدا في ضيق، أسرع إليه، وألقى إليه بصرة على بابه، ونبهه إلي أنه وضع على بابه شيئا، ويسرع قبل أن يفتح صاحب الحاجة الصرة .. وكان على ورعه وتقواه واسع الأفق مع المخطئين .. كان له جار يسكر في الليل ويرفع عقيرته بالغناء:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
وكان صوت الجار يفسد الليل على أبي حنيفة .. حتى إذا كانت ليلة سكت فيها صوت الجار السكير، فلما أصبح سأل عنه فعلم أنه في السجن متهما بالسكر .. وركب أبو حنيفة إلي الوالي فأطلق سراح السكير. وعندما عادا معا سأله أبو حنيفة "يا فتى هل أضعناك؟" فقال له "بل حفظتني رعاك الله". ومازال به أبو حنيفة حتى أقلع عن الخمر. وأصبح من رواد حلقات العلم ثم تفقه وصار من فقهاء الكوفة.
وكان أبو حنيفة يدعو أصحابه إلي الاهتمام بمظهرهم .. وكان إذا قام للصلاة لبس أفخر ثيابه وتعطر، لأنه سيقف بين يدي الله. ورأى مرة أحد جلسائه في ثياب رثة، فدس في يده ألف درهم وهمس: أصلح بها حالك "فقال الرجل" لست احتاج إليها وأنا موسر وإنما هو الزهد في الدنيا. فقال أبو حنيفة: أما بلغك الحديث: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده؟ وكان شديد التواضع، كثير الصمت، يقتصد في الكلام، ولا يقول إذا سئل، وإذا أغلظ إليه أحد أثناء الجدال صبر عليه. وإذا دخلت إليه امرأة تستفتيه قام من الحلقة وأسدل دونها سترا، ليحفظها من عيون الرجال، وأجابها عما تسأل .. نبع هذا التقدير الكبير للمرأة من حبه العميق لأمه، وحرصه الدائب على أن يرضيها، ثم من فهمه الواعي للإسلام، واتباعه اليقظ للسنة، واجتهاداته الذكية .. وقد قاده اجتهاده إلي الإفتاء بأن الإسلام يبيح للمرأة حق تولي كل الوظائف العامة بلا استثناء .. حتى القضاء!
ولقد كان في حرصه على إرضاء أمه. يحملها على دابة، ويسير بها الأميال، لتصلي خلف أحد الفقهاء يرى هو نفسه أن أبا حنيفا افضل منه، لأن الأم كانت تعتقد بفضل ذلك الفقيه! وكانت الأم لا ترضى بفتوى ابنها أحيانا، فتأمره أن يحملها إلي أحد الوعاظ، فيقودها إليه عن طيب خاطر .. ولقد قال لها الواعظ يوما: "كيف أفتيك ومعك فقيه الكوفة؟" ومع ذلك فقد ظل أبو حنيفة حريصا على إرضائها، لا يرد لها طلبا، حتى إذا عذب في سبيل رأيه، طلبت منه أمه أن يتفرغ للتجارة وينصرف عن الفقه وقالت له: "ما خير علم يصيبك بهذا الضياع؟" فقال لها: "إنهم يريدونني على الدنيا وأنا أريد الآخرة وإني أختار عذابهم على عذاب الله". ولكم تحمل أبو حنيفة من عذب!!
كان مخالفوه في الرأي يغرون به السفهاء والمتعصبين والمتهوسين ويدفعونهم إلي اتهامه بالكفر، وإلي التهجم عليه، فيقابلهم بالابتسام. ولقد ظل أحد هؤلاء السفهاء يشتمه، فلم يتوقف الإمام ليرد عليه، وعندما فرغ من درسه وقام، ظل السفيه يطارده بالسباب، والإمام لا يلتفت إليه، حتى إذا بلغ داره توقف عند باب الدار قائلا للسفيه: "هذه داري فأتم كلامك حتى لا يبقى عندك شيء أو يفوتك سباب فأنا أريد أن أدخل داري"..! كان خصوم أبي حنيفة صنفين: بعض الفقهاء ممن وجدوا انصراف الناس عن حلقاتهم إلي حلقة أبي حنيفة، وحكام ذلك الزمان. أما أعداء أبي حنيفة من الفقهاء فقد كان على رأسهم ابن أبي ليلى وتابعه شبرمة.
كان أعداؤه فقهاء للدولة في العصر الأموي، حتى إذا جاء العصر العباسي تحولوا إلي الحكام الجدد، واحتالوا عليهم بالنفاق حتى أصبحوا هم أهل الشورى، يزينون للحكام الجدد كل ما زينوه للحكام السابقين من طغيان وعدوان وبغي واستغلال وبطش بالمعارضين .. واصطنعوا من الآراء الفقهية، وقبلوا من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة ما يسند الطبقة الحاكمة والمستغلين، وما يصرف الناس عنهم من أمور الدنيا، وعن سياسة حياتهم، لينقطع الناس إلي التقشف، ويتركوا مستغليهم يستبدون ويعمهون! وكان أبو حنيفة يحتفظ باستقلاله أمام الحكام فيحترم الحكام .. وهو يلبس أغلى الفراء في الشتاء، ويتحلى طوال العام بثياب فاخرة، ويتعطر، ويتنعم بالطيبات من الرزق، وبزينة الحياة التي أحلها الله لعباده .. وكان يقاوم كما قاوم أستاذه وصديقه الإمام جعفر الصادق من قبل بدعة تزيين التقشف والانصراف عن هموم الحياة، وترك الأمر كله لطبقة بعينها تملك وتستغل وتحكم وتستبد!
على أن ميل أبي حنيفة إلي الأئمة من آل البيت أوغر عليه صدور الأمويين والعباسين على السواء. ففي العصر الأموي قالوا "أن تكون كافرا أو مشركا خير من أن تكون علويا" .. وفي العصر العباسي توالت المحن على العلويين، وأبو حنيفة يفتي بأن العلويين أصحاب حق .. على أنه مال إلي العباسيين أول الأمر، وتوسم فيهم الخير، ولكنه إذ وجد الفقهاء الذين نافقوا الأمويين وزينوا لهم العدوان، هم الذين يشيرون على الخلفاء العباسيين، أصابته خيبة الأمل فيهم .. ثم أن العباسيين بطشوا بأبناء عمومتهم العلويين، فساء رأي أبي حنيفة في العباسيين. وأبو حنيفة على الرغم من سماحته لا يسكت عن خطأ الفقهاء من الذين جعلوا كل همهم نفاق الحكام وإرضاءهم .. كان بعضهم يفتي في المسجد إلي جوار حلقة أبي حنيفة، فإذا أخطأ انبرى له أبو حنيفة يكشف ذلك الخطأ ويعلن الصواب على الناس.
وكان ينتقد أخطأ ابن أبي ليلى نقدا أوغر عليه صدر الرجل .. حتى نقد حكما فاحش الخطأ فانفجر غضب ابن أبي ليلى .. "وذلك أن امرأة مجنونة قالت لرجل" "يا ابن الزانيين" فأقام عليها ابن أبي ليلى الحد في المسجد، وجلدها قائمة، وأقام عليها حدين: حدا لقذف الأب وحدا لقذف الأم. وبلغ ذلك أبا حنيفة فقال: أخطأ ابن أبي ليلى في عدة مواضع: أقام الحد في المسجد ولا تقام الحدود في المساجد. وضربها قائمة والنساء يضربن قعودا. وضرب لأبيه حدا ولأمه حدا، ولو أن رجلا قذف جماعة ما كان عليه غير حد واحد، فلا يجمع بين حدين. والمجنونة ليس عليها حد. وحد لأبويه وهما غائبان ولم يحضرا فيدعيا .. وذهب ابن أبي ليلى إلي الخليفة يشكو أبا حنيفة، واتهمه بأنه لا يفتأ يهينه، ويظهره للناس بمظهر الجاهل، وفي ذلك إهانة للخليفة نفسه لأن ابن أبي ليلى إنما ينوب عن الخليفة في القضاء ويحكم بين الناس..!
وأصدر الخليفة أمرا بمنع أبي حنيفة من التعليق على أحكام القضاة، وبمنعه من الفتوى .. حتى إذا احتاج الخليفة إلي رأي في أمر معقد لا يطمئن فيه إلي فتاوى الفقهاء من متملقيه، أرسل يستفتي أبا حنيفة، فامتنع عن الفتوى إلا أن يأذن الخليفة له في أن يفتي للناس جميعا. فأذن له. وعاد يفتي، وعاد ينتقد الأحكام!. وأراد الخليفة المنصور أن يكتب عقدا محكما فلم يسعفه الفقهاء الذين يصانعونه، فلجأ إلي أبي حنيفة فأملى العقد من فوره فأزرى الفقهاء من بطانة الخليفة بما صنعه حسدا من عند أنفسهم. ولكن الخليفة زجرهم، وصرح بأن أبا حنيفة هو أفقه الجميع، وإن كان يكره مواقفه وآراءه. وعندما وقع خلاف بين الخليفة المنصور وزوجته لأنه أراد أن يتزوج عليها، أراد أن يحتكما إلي فقيه، فرفضت الزوجة الاحتكام إلي قاضي القضاة ابن أبي ليلى أو إلي تابعه شبرمة أو إلي أحد الفقهاء من بطانة المنصور! وطلبت أبا حنيفة.
وعندما حضر أبو حنيفة أبدى الخليفة رأيه أن من حقه الزواج لأن الله أحل للمسلم الزواج بأربع، والتمتع بمن يشاء من الإماء مما ملكت يمينه. فرد أبو حنيفة: "إنما أحل الله هذا لأهل العدل. فمن لم يعدل فواحدة. قال الله تعالى:
{فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}
فينبغي علينا أن نتأدب بأدب الله ونتعظ بمواعظه. وضاق الخليفة بفتواه. ولكنه أخذ بها. وخرج أبو حنيفة إلي داره. فأرسلت له زوجة الخليفة خادما ومعه مال كثير وأحمال من الثياب الفاخرة النادرة، وجارية حسناء، وحمار مصري فاره هدايا لأبي حنيفة. فقال أبو حنيفة للخادم: "أقرئها سلامي. وقل لها إني ناضلت عن ديني وقمت بذلك المقام لوجه الله. لم أرد بذلك تقربا إلي أحد ولا التمست به دنيا ورد الجارية الحسناء والثياب والمال والحمار المصري جميعا.
كان أبو حنيفة لا يقف عند النصوص، وإنما يبحث في دلالاتها، ويحاول أن يواجه بالأحكام ما يقع من أحداث، وما يتوقع حدوثه من الأقضية والحالات. الواقع والمتوقع هما ما كان يعني باستنباط الأحكام لمواجهتها إن لم يجد نصا في الكتاب أو السنة أو الإجماع. وكان يناصر الفقهاء ببديهة حاضرة يقلب الرأي على وجوهه، ويفترض، ويستقرئ ويستنبط، ويحسن الخلوص إلي الغاية، والخلاص من المأزق، ويلزم المناظر الحجة. وهو مع ذلك يقول: "ربما كان ما قلته خطأ كله، لا الصواب كله". ولقد اقتحم عليه الحلقة في يوم عدد من الخوارج على رأسهم قائدهم وفقيههم، وكان الخوارج يقتلون خالفيهم. وكانوا يقتلون من أقر علي بن أبي طالب على التحكيم. كان أبو حنيفة يؤيد عليا ويقره على التحكيم. وخيره شيخ الخوارج بين التوبة أو القتل، فسأله أبو حنيفة أن يناظروه، فرضى، فقال له "فإن اختلفنا؟ قال الخارجي نحكم بيننا رجلا .. فضحك أبو حنيفة قائلا: أنت بهذا تجيز التحكيم." فانصرف عنه الخوارج وتركوه سالما.
وكم مرة خرج من المأزق بسرعة بديهته وسعة حيلته وقوة حجته..! ولكنه لم يستطع أن يفلت من مصائد أعدائه من المرتزقة في بلاط الأمراء .. كانت صلابته، واحترام الحكام له، وإيثارهم إياه على الفقهاء المرتزقة من بطانتهم، تثير هؤلاء الفقهاء وتحرك حسدهم .. فأوغروا صدور الحكام حتى أوقعوا به. وحاولوا أن يقتنصوه بفضائله. إنه لشجاع في الحق .. وإذن فلينصبوا له شركا من جسارته وتقواه .. إن مواقفه في تأييد آل البيت لتؤجج غضب الحكام عليه. ثم كانت آراؤه تزيد سخطهم عليه اشتعالا: فقد نادى بالرأي إن لم يكن هناك نص في الكتاب أو السنة، واتجه في استنباط الأحكام إلي إلحاق الأمور غير المنصوص على أحكامها بما نص على حكمه في حدود ما يحقق مصلحة الأمة ويتسق مع عرف البلد وعاداته، إن لم تخالف هذه العادات والأعراف روح الشريعة أو نصوصها
أما عن مواقفه في تأييد آل البيت فقد أعلن أن العلويين أولى بالحكم من العباسيين، وجاهز بالانحياز إلي العلويين. ولم يكتم هذا الميل قط، وظل يذيعه بلا تهيب.! على أن الموقف ليس جديدا عليه. فقد أيد ثورة الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين أيام الحكم الأموي. وسمى خرج زيد جهادا في سبيل الله، وشبهه بيوم بدر وحاول أن يخرج مع الإمام زيد، ولكن كانت لديه ودائع للناس أراد أن يسلمها لابن أبي ليلى فرفض. ولم يجد أبو حنيفة إلا ماله يجاهد به فأرسل إلي الإمام زيد مالا كثيرا يمير به جيشه ويقويه. وحين ولى العباسيون أيدهم أول الأمر، ولكنهم بطشوا بمعارضيهم، وصادروا حرية الرأي، ونكلوا بالعلويين، ونكلوا عن العدل الذي بايعهم عليه، فأعلن عدم رضاه عنهم في حلقات الدروس .. وكان المنصور قد جمع رءوس العلويين وسجنهم. وصادر أموالهم وأراضيهم.
ثار العلويون بقيادة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم بن عبد الله، فبعث المنصور جيشا ضخما ليحصد العلويين. أعلن أبو حنيفة تأييده للثورة، وبكى مصائر العلويين بعد أن نجح المنصور في إخماد الثورة والقضاء على قائدها وفتك بأهل المدينة المنورة الذين أيدوا الثورة .. وكان عبد الله بن الحسن شيخ أبي حنيفة والد محمد النفس الزكية وإبراهيم في سجن المنصورة يعذب حتى الموت. وحين مات أعلن أبو حنيفة أن واحدا من افضل أهل الزمان قد استشهد في سجنه. وبكاه وأبكى عليه. وأما آراؤه التي أشعلت سخط الحاكم وحاشيته عليه فهي تلك التي استنبطها بالقياس حتى لقد اتهمه بعض الفقهاء من خصومه بأنه يفضل القياس على الحديث.
وما كان هذا صحيحا، فقد رأى أبو حنيفة ظاهرة خطيرة، فأراد أن ينجو بدينه منها، وينجى معه الناس: ذلك أنه خلال الصراعين السياسي والاجتماعي، انتشر وضع الحديث خدمة لهذا الجانب أو ذاك، وتأييدا لهذه المصلحة أو تلك، فوقف أبو حنيفة من الحديث موقف أستاذه وصديقه الإمام جعفر الصادق .. تحرى الرواة وصدقهم، وتحرى معاني الأحاديث، ورفض منها ما يشك في صدق رواتها وتقواهم، أو ما يخالف نصا قرآنيا، أو سنة مشهورة، أو مقصدا واضحا من مقاصد الشريعة. وقد فحص الأحاديث الموجودة في عصره وكانت عشرات الآلاف فلم يصح في نظره منها إلا نحو سبعة عشر.
وذهب إلي أن القياس الصحيح يحقق مقاصد الشارع، ويجعل الأحكام أصوب وهو خير من الاعتماد على أحاديث غير صحيحة .. وللقياس ضوابط هي تحقيق المصلحة وهذا هو هدف الشريعة. لقد كان تحرج أبي حنيفة وذمته وتقواه هي العوامل التي دفعته إلي الحذر في قبول الأحاديث إذا شك في صحتها على أي نحو، وكان عليه إذن أن يجد طريقا آخر لاستنباط الأحكام الجديدة قياسا على أحكام ثابتة في القرآن الكريم أو السنة الصحيحة أو أقوال الصحابة السابقين من أهل الفتيا كعمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود .. وكان عبد الله بن مسعود يفضل أن يفتي باجتهاده بدلا من أن يسند إلي الرسول صلى الله عليه وسلم حديثا لا يرى عين اليقين أنه حديث صحيح.
وقد جد في عصر أبي حنيفة كثير من الحوادث والأقضية والأحوال، بعد اتساع الدولة وتشابك الأمور، وظهور ألوان كثيرة من النشاط التجاري والاجتماعي، وواجه الإمام هذا كله بالاجتهاد لاستنباط الأحكام التي تضبط العلاقات. وما كان يبتدع في قياسه كما رماه خصومه، وما كان يهدر السنة كما حاول ابن أبي ليلى وتابعه شبرمة أن يصوراه كيدا له، بل كان منهجه في استنباط الأحكام في وصية لأحد تلاميذه ممن تولوا القضاء .. قال: "إذا أشكل عليك شيء فارحل إلي الكتاب والسنة والإجماع، فإن وجدت ذلك ظاهرا فاعمل به، وإن لم تجده ظاهرا فرده إلي النظائر واستشهد عليه بالأصول، ثم اعمل بما كان إلي الأصول اقرب وبها أشبه".
وقاده هذا الاجتهاد إلي عديد من الآراء الحرة: الدعوة إلي المساواة بين الرجل والمرأة، في عصر بدأت المرأة فيه تتحول إلي حريم للمتاع! فأفتى بأن للبالغة أن تزوج نفسها .. وهي حرة في اختيار زوجها. كما أفتى بعدم جواز الحجر على أحد، لأن في الحجر إهداراً للآدمية وسحقا للإرادة .. وأفتى بعدم جواز الحجر على أموال المدين، حتى لو استغرقت الديون كل ثروته. لأن في هذا مصادرة لحريته .. وفي كل أمر من أمور الحياة تتعرض فيه حرية الإنسان لأي قيد، أفتى الإمام أبو حنيفة باحترام الحرية وكفالتها، لأن في ضياع حرية الإنسان أذى لا يعدله أذى .. لقد أفتى بكل ما ييسر الدين والحياة على الإنسان فذهب إلي أن الشك لا يلغي اليقين، وضرب لذلك مثلا بأن من توضأ ثم شك في أن حدثا نقض وضوءه، ظل على وضوئه، فشكه لا يضيع يقينه.
وأفتى بأنه لا يحق لأحد أن يمنع المالك من التصرف في ملكه. ولا يحق لأحد أن يحكم على مسلم بالكفر ما ظل على إيمانه بالله ورسوله حتى لو ارتكب المعاصي. ومن كفر مسلما فهو إثم. وأفتى بأن قراءة الإمام في الصلاة تغني عن قراءة المصلين خلفه، فتصح صلاتهم دون قراءتهم اكتفاء بقراءة الإمام وحده. ولقد أثار هذا الرأي بعض الناس، فذهبوا إلي الإمام ليحاوروه في رأيه فقال لهم "لا يمكنني مناظرة الجميع فولوا أعلمكم" فاختاروا واحدا منهم ليتكم عنهم. وسألهم أبو حنيفة إن كانوا يوافقون على أنه إذا ناظر من اختاروه يكون قد ناظرهم جميعا، فوافقوا، فقال لهم أبو حنيفة: "وهكذا نحن اخترنا الإمام فقراءته قراءتنا وهو ينوب عنا" فانصرفوا مقتنعين. ودعا إلي ضرورة العفو عن المخطئ إن لم تثبت عليه أدلة الإدانة ثبوتا قطعيا لا يشوبه الشك أو الظن، اعتمادا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بدرء الحدود قدر المستطاع .. فالحدود تدرأ بالشبهات "فإن كان للمذنب مخرج أخلى سبيله. وأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".
وهو يطالب الناس بأن يسألوا في العلم بلا حرج، على أن يحسنوا السؤال. وكان يقول: "حسن السؤال نصف العلم". وهو في اجتهاده يعرف مكانته، إذ كان واثقا بنفسه، معتزا بكبريائه العلمي على الرغم من تواضعه الشديد. ولقد سئل: "إذا قلت قولا وظهر خبر لرسول الله يخالف قولك؟" قال: "أترك قولي بخبر رسول الله وكل ما صح عن رسول فهو على العين والرأس. فقال السائل: فإذا كان قول الصحابي يخالف قولك؟" قال: "أترك قولي بقول الصحابي فقال السائل "فإذا قول التابعي يخالف قولك؟ قال أبو حنيفة: "إذا كان التابعي رجلا فأنا رجل". ويروي عنه أنه ذهب إلي المدينة المنورة فجادل الإمام مالك بن أنس يوما في أمور اختلفا عليها وحضر المناظرة الإمام الليث بن سعد إمام مصر وهو الإمام الذي عاش في عصر الإمام جعفر الصادق وأبي حنيفة والإمام مالك وقال عنه أحد الفقهاء المتأخرين إنه حقا أفقه الناس ولكن المصريين أضعوه فلم يحفظوا فقه واستمرت المناظرة طويلا حتى عرق الإمام مالك. وعندما خرج أبو حنيفة قال مالك لصديقه الليث: إنه لفقيه يا مصري!
قام فقه الإمام أبي حنيفة على احترام حرية الإرادة ذلك أن أفدح ضرر يصيب الإنسان هو تقييد حريته أو مصادرتها .. وكل أحكامه وآرائه قائمة على أن هذه الحرية يجب صيانتها شرعا، وأن سوء استخدام الحرية أخف ضررا من تقييدها! فإساءة الفتاة البالغة في اختيار زوجها أخف ضررا من قهرها على زواج بمن لا تريده. وسوء استخدام السفيه لماله، يمكن علاجه بإبطال التصرفات الضارة به، أما الحجر على حريته فهو إهدار لإنسانيته، وهو ضرر لا يصلحه شيء!! وعلى أية حال فأذى الحجر أخطر من أذى ضياع المال ـ فالحجر إيذاء للنفس، وإهدار للإرادة، واعتداء على إنسانية الإنسان!! وأبو حنيفة لا يجيز الوقف إلا للمساجد .. لأن الوقف أو الحبس يقيد حرية المالك في التصرف .. بل إن الإمام إمعانا منه في الدفاع عن الحرية لا يجيز للقاضي أن يقيد حرية المالك، حتى إذا أساء التصرف على نحو يهدد الغير .. وهو يطالب أن يترك هذا كله للشعور بالتعاون الاجتماعي الذي يجب أن يسود أفراد الأمة .. فيحترم كل منهم حرية الآخرين، ويمارس حريته بما لا يمس مصالح الغير أو حريته هذا أمر يجب أن يترك للناس فيما بينهم ولا سبيل للحاكم أو القضاء
لقد جاءه رجل يشكو جاره لأنه حفر بئرا بجوار جداره مما يؤثر في بيت الشاكي، فطلب أبو حنيفة من الشاكي أن يحدث جاره ليردم البئر، ويحفرها في مكان آخر، فقال الرجل: "حدثته فامتنع ظالما". فقال أبو حنيفة: "فاحفر في دارك بالوعة في مقابل بئره" وفعل الرجل، فاندفع ماء البئر إلي البالوعة، فاضطر الجار أن يردم البئر، ويحفرها في مكان بعيد عن جدار الشاكي. وهكذا مضى أبو حنيفة يوضح للناس ما في تعاليم الإسلام من احترام للحرية والإرادة، معتمدا على الكتاب، والسنة الصحيحة، والرأي الذي يستنبطه بالقياس، مراعياً تحقيق المصلحة، أو الأعراف التي لا تتعارض مع قواعد الإسلام ومبادئه. وقد أغنت آراؤه في الفقه وجدان الناس، وأيقظت ضمائرهم، وحركتهم للدفاع عن حرياتهم في التصرفات، متمسكين في ممارستهم للحرية بمبادئ الدين وأصوله ..
وكانت هذه الآراء كلها تناقض روح العصر الذي عاش فيه وهو عصر يقوم نظام الحكم فيه على تكفير الخصوم، وإهدار دمائهم، وتقييد الحريات، وإطلاق يد الحاكم، وتمكين ذوي السطوة من الضعفاء. من أجل ذلك اتهمه خصومه من الفقهاء أصحاب المناصب بالخروج عن الإسلام..! ثم إنه أفتى بتحريم الخروج لقتال المسلمين والفتك بهم. وبهذا صرف بعض قواد الجيش في عصره عن حرب العلويين وخصوم الحكام ومعارضي آرائهم.! ومن ذلك أن الحسن بن قحطبة أحد قواد المنصور دخل على أبي حنيفة يسأله: "أيتوب الله علي؟" وكان الحسن هذا قد قاد جيوشا للمنصور فقتل العلويين وخصوم العباسيين فقال له أبو حنيفة: "إذا علم الله تعالى أنك نادم على ما فعلت، فلو خيرت بين قتل مسلم وقتل نفسك لاخترت ذلك على قتله، وتجعله مع الله عهدا على ألا تعود لقتل المسلمين، فإن وفيت فهي توبتك"، فقال القائد إني فعلت ذلك وعاهدت الله على ألا أعود إلي قتل مسلم" ثم ثار العلويون فأمر المنصور القائد أن يفتك بهم، فجاء القائد إلي أبي حنيفة يسأله الرأي فقال له أبو حنيفة "فقد جاء أوان توبتك. إن وفيت بما عاهدت فأنت تائب وإلا أخذت بالأول والآخر".
فامتنع القائد عن تنفيذ أمر المنصور، وسلم نفسه إلي العقاب وهو القتل، إذ دخل على المنصور فقال أنه لن يقتل المسلمين بعد! فغضب الخليفة عليه وأمر بقتله، حتى استشفع له أخوه قائلا "إننا لننكر عقله منذ سنة، وأنه قد جن". وسأل الخليفة عمن يخالط القائد المتمرد فقيل: إنه يتردد على أبي حنيفة! وأسرها الخليفة لأبي حنيفة. على أن خصوم أبي حنيفة انتهزوا الفرصة فأغروا صدر الخليفة وأوحوا إليه أن يقضي على أبي حنيفة واتهموه بإثارة الفتنة، وتثبيط قواد الجيش، وتأليب العامة على ولي الأمر، وتكوين حلقة من الفقهاء كلهم يدعو إلي الثورة على الخليفة. وكان من هؤلاء الخصوم فقيه أفتى للناس بأن تلاميذ أبي حنيفة خارجون على ولي الأمر ومرتدون عن الإسلام. فأن يقال إن بالحي خمارا خير من أن يقال إن فيه أحدا من أصحاب أبي حنيفة ..
وكان منهم فقه آخر عرف وهو في الحج أن أحد أصحاب أبي حنيفة سيصلي بالناس فلم يستطع كظم غيظه وصاح: "الآن يطيب لي الموت" ..! ورفض أبو حنيفة أن يقبل المناصب .. عرض عليه الأمويون منصب القاضي، فرفضه فسجنوه وعذبوه في السجن .. وظلوا يضربونه كل يوم بالسياط حتى ورم رأسه .. ومع ذلك فلم يقبل المنصب .. لأنه كان يرى أن تحمل المسئولية في عهد يعتبر هو حاكميه ظالمين مغتصبين، إنما هو مشاركة في الظلم وإقرار للاغتصاب .. وفي السجن تذكر أمه الحزينة فبكى .. وسأله جاره السجن عما يبكيه وهو الفقيه الجليل الصلب، فقال من خلال دموعه: "والله ما أوجعتني السياط، بل تذكرت أمي فآلمتني دموعها".
وساءت صحته في السجن. وبدأت الثورة تتجمع ضد الخليفة الأموي احتجاجا على ما يحدث لأبي حنيفة فأطلق سراحه. ولم يعد له مقام في الكوفة التي شهدت عذابه .. فترك مسقط رأسه، ومرح شبابه، بكل ما فيها من ذكريات عزيزة وآمال عذبة، وأقام بالحجاز حتى سقطت الدولة الأموية، فعاد إلي موطنه. ولكن العباسيين لم يتركوه .. فمنذ شعر بخيبة الأمل فيهم لبغيهم واضطهادهم للعلويين، واصطناعهم المرتزقة من الفقهاء، بدأ يجهر برأيه في استبدادهم وطغيانهم. ورفض كل هداياهم، كما رفض هدايا الأمويين من قبل. وعرضوا عليه منصب قاضي القضاة فأبى .. وتمسك بالتفرغ للعلم. قالوا له أنه قد حصل من العلم ما يجعله في غنى عنه فرد: "من ظن أنه يستغني عن العلم فليبك على نفسه".
بعد أن فرغ الخليفة من بناء بغداد، وأقام فيها معتزا بها، حرص على أن يجعل أكبر فقهاء العراق قاضي القضاة فيها. وكان أبو حنيفة قد أصبح اكبر الفقهاء بالعراق حتى سماه أتباعه ومريدون: الإمام الأعظم. ولكن الإمام صمم على الرفض. كان يعرف ما ينتظره .. فأين أبي ليلى لا يكف عن الكيد له، وهو لا يغفر لأبي حنيفة ما يوجهه من نقد لاذع لأحكامه. وقد ضم ابن أبي ليلى حاجب الخليفة وزيره الأول، وكان أبو حنيفة قد أحرجه وكشف أكاذيبه أمام الخليفة في محاورة حاول فيها الوزير الأول أن يوقع بالإمام ففضحه الإمام وأفسد حيلته. وقد أفتى أبو حنيفة بأن الوزير لا تصح شهادته لأنه يقول للخليفة أنا عبدك "فإن صدق فهو عبد ولا شهادة له. وإن كذب فلا شهادة لكاذب"!! وقد أخذ أحد تلاميذ أبي حنيفة بهذا النظر فيما بعد حين ولى القضاء فرد شهادة الوزير الأول لخليفة آخر، لأنه قبل الأرض بين يدي الخليفة قائلا له: أنا عبدك!
اتسعت الفتوحات حتى أصبح البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية، وحتى ارتفعت الراية الإسلامية فوق شرق أوروبا وجنوبها والأندلس، وكل بلاد العالم التي عرفها إنسان ذلك العصر .. وعلى الرغم من ازدهار الحضارة، فقد شغل رجال الحاشية بالكيد لأبي حنيفة يظاهرهم بعض الفقهاء أصحاب المناصب وأهل الحظوة عند الخليفة. وأخذ الوزير الأول يكيد عند الخليفة لأبي حنيفة. وانتهز فرصة خروج أهل الموصل على الخليفة، وكانوا قد شرطوا على أنفسهم إن هم خرجوا على الخليفة أن تباح دماؤهم وأموالهم. وأرسل الخليفة إلي ابن شبرمة وابن أبي ليلى ليسألهما رأي الدين في أهل الموصل، وكان قد أعد جيشا للفتك بهم. واقترح الوزير الأول على الخليفة أن يدعو أبا حنيفة وكان يعرف أن تقواه وشجاعته وكل فضائله ستقوده إلي مخالفة رأي الخليفة. وحضر الفقهاء الثلاثة فسألهم عن حكم الشرع في أهل الموصل. وسكت أبو حنيفة وأفتى الآخران بأن أهل الموصل يستحقون الفتك بهم..!
وأفتى أبو حنيفة بأن الخليفة لا يحق له الفتك بأهل الموصل، لأنهم بإباحتهم أرواحهم وأموالهم إنما أباحوا ما لا يملكون. وسأل: "لو أن امرأة أباحت نفسها بغير عقد زواج أتحل لمن وهبته نفسها؟ فقال له الخليفة "لا" .. فطلب الإمام أبو حنيفة منه أن يكف عن أهل الموصل فدمهم حرام عليه، وأن يوجه الجيش إلي حماية الثغور، أو إلي فتح جديد لنشر الإسلام، بدلا من أن يضرب به المسلمين. وضاق به الخليفة وأمره أن ينصرف .. ومن حول الخليفة أعداء الإمام يستفزونه للبطش به في مقدمتهم ابن أبي ليلى قاضي القضاة وتابعه شبرمة. ومضى أبو حنيفة إلي داره يقول لصاحب: "إن ابن أبي ليلى ليستحل مني مالا أستحله من حيوان!" وفي الحق أن ابن أبي ليلى وشبرمة والعصابة المعادية لأبي حنيفة في قصر الخليفة زينت للخليفة أن يقهر أبا حنيفة على قبول ما يعرضه عليه من مناصب، فإذا أبى فقد امتنع عن أداء واجب شرعي فحق عليه العقاب، ووجب أن يشهر به في الأمة، لأنه يتخلى عن خدمتها.!
واقترحوا على الخليفة أن يبدأ فيمتحن ولاءه، فيرسل إليه هدية .. وكانوا يعرفون سلفا أن الإمام أبا حنيفة لن يقبل الهدية..! وأرسل له الخليفة مالا كثيرا وجارية .. فرد الهدية شاكرا .. ثم أرسل الخليفة إليه يلح عليه في ولاية القضاة أو في أن يكون مفتيا للدولة يرجع إليه القضاء فيما يصعب عليهم القضاء فيه .. بما أنه يكثر من لوم القضاة على أحكامهم، ويكشف للعامة جهل شيخهم ابن أبي ليلى وتابعه شبرمة! ورفض أبو حنيفة .. فاستدعاه الخليفة يسأله عن سبب رفضه فقال له: "والله أنا بمأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو الحكم عليك لاخترت أن أغرق. ثم إن تلك "حاشية يحتاجون إلي من يكرمهم لك، فلا أصلح لذلك". وكانت الحاشية كلها تحيط بالخليفة، وعلى رأسها وزيره الأول والفقيهان ابن أبي ليلى وابن شبرمة، فأبدوا التذمر وبان عليهم استنكار ما يقوله الإمام أبو حنيفة، فقال الخليفة محنقا: "كذبت".
فقال أبو حنيفة في هدوء قد حكمت على نفسك. كيف يحل لك أن تولي قاضيا على أمانتك وهو كاذب؟! وبعد قليل سأله الخليفة عن سبب رفض هداياه .. فقال له أبو حنيفة أنها من بيت مال المسلمين ولا حق في بيت المال إلا للمقاتلين أو الفقراء أو العاملين في الدولة بأجر وهو ليس واحدا من هؤلاء! فأمر الخليفة بحبسه. وبضربه بالسياط حتى يقبل منصب قاضي قضاة بغداد. وهاهو ذا شيخ في السبعين أثقلته المعارك والدسائس والهموم، ومكابدة الفقه والعلم والتحرج .. هاهو ذا يضرب، ويظل يضرب بالسياط في قبو سجن مظلم، ورسل الخليفة يعرضون عليه هدايا الخليفة، ومنصب القضاء والإفتاء .. وهو يفض .. فيعاد إلي السجن ليعذب من جديد .. ويكررون العرض، وهو يكرر الرفض داعياً الله: "اللهم أبعد عني شرهم بقدرتك".
وظل في سجنه يعرضون عليه الجاه والمنصب والمال فيأبى .. ويعذب من جديد! وتدهورت صحته، وأشرف على الهلاك. وخشي معذبوه أن يخرج فيروي للناس ما قاسى في السجن، فيثور الناس!. وقرروا أن يتخلصوا منه فدسوا له السم. وأخرجوه وهو يعاني سكرات الموت، وما عاد يستطيع أن يروي لأحد شيئا بعد!! وحين شعر بأنها النهاية أوصى بأن يدفن في أرض طيبة لم يغتصبها الخليفة أو أحد رجاله. وهكذا مات فارس الرأي الذي عرف في السنوات الأخيرة من حياته باسم الإمام الأعظم. وشيعه خمسون ألفا من أهل العراق واضطر الخليفة أن يصلي على الإمام الذي استقر إلي الأبد في ركن هادئ من الدنيا لم يشبه غصب، والخليفة يهمهم: "من يعذرني من أبي حنيفة حيا وميتا؟".
وهكذا مضى بطل الفكر الشجاع شهيدا لحرية الرأي في محنة من العذاب لم يعرفها أحد من الفقهاء من بعده حتى كانت محنة الإمام احمد بن حنبل إمام أهل السنة .. في عصر زري كذلك العصر: عصر تحكمه الدسائس والسموم وسياط الجلادين، على الرغم من روعة الفتوحات العسكرية، وانتصارات العقل الإنساني، ويبطش فيه المزيفون برهبان الحرية وفرسان الفكر .. وتظل المنارات الشامخة فيه مضيئة على الرغم من كل شيء، تقدم للإنسانية جيلا بعد جيل خالدا من شعاع
الإمام أحمد بن حنبل
صامت يطيل السكوت والتأمل، حزين يكاد لا يبتسم، وفي وجهه مع ذلك البشاشة وعلى قسامته الرضا، لا يتكلم إلا إذا سئل فلا يبتدر أحدا بحديث .. حتى إذا جلس في الحلقة بعد كل صلاة عصر في المسجد الجامع ببغداد، وسأله الناس في أمور الدين والدنيا انفجر منه علم غزير نافع يبهر السائلين! .. قال عنه بعض الفقهاء: "أنه جمع العلم كله". وقال عنه بعض العلماء: "إنه ليس من الفقه في شيء". وقال عنه الإمام الشافعي حين ترك بغداد إلى مصر: "تركت بغداد وما فيها أفقه ولا أعلم من احمد بن حنبل". وفي الحق أن احمد بن حنبل ظلم حيا وميتا.
أما حياته فقد كانت نضالا متصلا ضد الفقر، وضد عاديات عصره .. فقد حملته أمه وهي حامل به من "مزو ـ حيث كان يعمل أبوه في جند الخليفة ـ إلى بغداد، ولم تكد تضع وليدها احمد حتى مات والده ترك له عقارا عاشت من غلته هي والصغير .. حتى إذا شب الصغير وزادت مطالبه، عرفت أمه ضيق العيش، ولكن الأرملة الشابة رفضت أن تتزوج على الرغم من جمالها وشبابها وطمع الخطاب فيها، ووقفت حياتها على تربية وحيدها احمد فأحسنت تربيته ودفعت به إلى مقرئ ليعلمه القرآن فختمه وهو صبي وظل حياته كلها يعاود قراءته والتفكير فيه ..
وعندما وثبت به الحياة إلى الفتوة وجد من حوله دنيا عجيبة حقا، تطغى فيها البدعة على السنة، ويشقى فيها عالم الأمر بجاهله، وتكتظ خزائن بعض الناس بالذهب والفضة بحيث لا يعرفون كيف ينفقونها، وعلى مقربة منهم يسقط بعض النساء والرجال في حمأة العار بحثا عن الحياة الأفضل أو عن الطعام وسط أو حال النفاق والخطيئة..! وأصوات خادعة أو مخدوعة تحبب الناس في الانصراف عن طيبات الحياة مما أحل لهم، باسم الورع أو الزهد، وتحضهم على ترك الحقوق لها ضميها أو مغتصبيها!..
ووسط هذه النداءات المنكرة التي لم يعرفها السلف قط، تزف عروس إلى ابن الخليفة الذي يجب أن يعيش كما يعيش أواسط الناس من رعيته، فإذا بكل رجل من المدعوين إلى حفل الزفاف من كبار القوم يسلم رقعة هي صك هبة: بضيعة وجارية ودابة .. فضلا عن الدار المنثور!!.. أما سائر الناس فتندثر عليهم الدنانير والدراهم وحقاق المسك والعنبر!! هكذا طالعت الدنيا شابا حفظ القرآن صغيرا وتدبر في أحكامه وتعلم علم الحديث، فما كان منه إلا أن أعلن إنكاره لهذا كله، وسمى كل ما يحدث بدعة ونذر نفسه لمقاومتها ولإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فاتهموه بالتزمت!
وهكذا عاش حياته..!
أما بعد موته فقد ابتلى ببعض اتباع نسبوا إليه ما لم يقل ولم يصنع وفرعوا على أصوله ما هو برئ منه، وأسرفوا على الناس حتى لقد كانوا يطوفون بمدائن المسلمين يغيرون بأيديهم ما يحسبونه بدعة، أو منكرا، ويغرضون ما يتخيلونه سنة، وغالوا في هذا حتى نال الناس منهم أذى وعنت، فكرهم الناس ونسبوهم إلى الحماقة وضيق الأفق وسخروا بهم، وأزروا على مذهبهم .. وأصبحت كلمة الحنبلى أو الحنابلة تعني التبلد والتحجر والتعصب المذموم!! ولقد كتب ابن الأثير يصف ما كان يحدث من نفر من اتباع الإمام احمد سنة 323 من الهجرة: "وفيها عظم أمر الحنابلة، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء. واعترضوا في البيع والشراء. ومشى الرجال مع النساء والصبيان فإذا رأوا ذلك سألوا الرجل عن التي معه من هي فأخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة فأزعجوا بغداد.".
وما كان الإمام احمد ليزعج أحدا، وما كان فظا ولا غليظ القلب بل كان يجادل بالتي هي احسن وكان يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة إعمالا لكتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام .. وما كان الإمام احمد متعصبا لرأي ارتآه بل كان يحاور، ويرجع عن رأيه إن تبين له ما هو أصح حتى لقد نهى عن كتابة فقهه لأنه كثير العدول عن آرائه..! وما كان ضيق الأفق، أو جامد الفكر، أو منقبا عن عيوب الناس .. وما كان الإمام احمد من هذا كله في شيء. فقد كان من أوسع الناس أفقا، ومن أعمق العلماء إدراكا لروح الشريعة، ومن أكثر الفقهاء تحريرا لها من الجمود وتحررا بها في المعاملات.
ولكنه عاش في عصر تغشاه البدع ويسوده الترخص الذي قد يزلزل عمود الدين فكان عليه أن يأخذ الكتاب بقوة..! .. ولقد قال عنه أحد معاصريه: "ما رأيت في عصر احمد بن حنبل ممن رأيت، اجمع منه ديانة وصيانة وملكا لنفسه، وفقها وأدب نفس، وكرم خلق وثبات قلب وكرم مجالسة وأبعد عن التماوت. ولد احمد بن حنبل في بغداد عام 164 هـ من أبوين عربيين .. مات أبوه وهو طفل وترك له معاشا ودارا يسكنها هو وأمه وعقارا يغل غلة لهما قليلة..
وكان عمه يعمل في خدمة الخليفة الرشيد، ويجمع أخبار بغداد ويلمسها إلى والي البريد (الأمير المسئول عن البريد) ليوصلها إلى الخليفة إذا كان الخليفة خارج بغداد .. وانقطعت أخبار بغداد عن الخليفة فأرسل إلى الوالي يسأله، فسأل الوالي عم احمد، وكان احمد غلاما صغيرا، وكان عمه يرسله بالأخبار إلى الوالي .. فسأله عمه: "ألم أبعث الأخبار إلى الوالي؟ فقال: نعم، فقال عمه: "فلأي شيء لم توصلها؟" قال احمد: "رميت بها في الماء! .. أأنا أوصل الأخبار؟!".
وحين سمع الوالي بما كان من أمر احمد والأخبار قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون .. هذا غلام يتورع، فكيف نحن؟". على هذا الورع نشأ احمد بن حنبل، حتى أن نساء الجند الذين سافروا مع الرشيد في الغزو كن لا يجدن فتى غيره يثقن فيه، فيقرأ لهن رسائل الأزواج، ويملينه الردود .. ولكنه كان لا يكتب الكلام الفاحش الذي قد تمليه بعض الزوجات المشوقات إلى الأزواج..!
ولقد أدرك منذ نشأ أن أمه تعاني في سبيل توفير حياة كريمة له، وأنها ترفض الخطاب من أجله، فحرص على أن يعوضها، وبذل كل جهده في الدرس حتى حصل علوما ومعارف كثيرة في سن صغيرة معتمدا على نفسه. قال أحد جيرانه: "أنا أنفق على ولدي وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا، فما أراهم يفلحون، وهذا احمد بن حنبل غلام يتيم .. انظروا كيف أدبه وعلمه وحسن طريقته!". على أن الفتى شعر أنه أصبح هما ثقيلا على أمه .. وإن كان قد احسن مكافأتها بانقطاعه على الدرس، وذيوع أمره بين الأساتذة والتلاميذ ..
وكان احمد قد رأى أمه تبيع درتين لتعينه على طلب العلم، فألي بينه وبين نفسه ألا يجشمها مالا بعد. وأراد أن يوفر لأمه ما ترك أبوه من غلة العقار الذي مات عنه وهو بناء كبير يحوي عدة حوانيت تغل كلها سبعة عشر درهما في كل شهر..! .. وكان في أحد هذه الحوانيت نساج فتعلم منه وعاونه، فقد حفظ احمد فيما يحفظ من أحاديث أن أطيب ما يأكله الإنسان هو ما يكسبه من عمله .. وكان احمد حفيا بالسنة حريصا عليها، من أجل ذلك حرص على ألا يأكل إلا من عمل يده..!
على أن عمل يده لم يكن يكفيه للطعام ولمواجهة أعباء الحياة، منذ صمم على أن ينزل لأمه عن غلة العقار الذي مات عنه أبوه، فلجأ إلى الاقتراض ولقد أدرك بعض دائنيه ضيق حاله فأبى عليه رد الدين قائلا: "ما دفعتها وأنا أنوي أن آخذها منك" فقال له احمد: "وأنا ما أخذتها إلا وأنا أنوي أن أردها إليك". على أن الحياة كانت تثقل عليه بمطالبها في بعض الأحايين، فلا يجد طعاما .. فيذهب إلى المزارع والبساتين، ليلتقط ما نزل على الأرض خارجها من الثمرات .. وقد هدته تجربته الخاصة إلى أن هذا الزرع يجب أن يباح لمن يحتاج إليه .. وإلى هذا المبدأ انتهى في فقه .. على ألا يدخل ذو الحاجة ملك الغير ليأكل، إلا بإذن المالك ..
ولكم صقلته المعاناة وهدته إلى قواعد في الفقه وإلى أحكام وفتاوى!.. ذلك أنه كابد ضراوة الحاجة، وعرف أحوال الناس، واحتيالهم على الحياة، وذاق من البأساء، وعرف أهوال الأسواق..! وقد أكسبه هذا كله بصرا بالناس وفهما بالناس وفهما للدنيا، وتقدير لمتطلبات الحياة وضرورتها، ونبض كل أولئك فيما احدث من فقه ورأي .. ثم الرحلة في طلب العلم. ولكم لاقى في هذه الرحلات من أهوال!! قام بمعظمها على قدميه إذا لم يكن يجد أجر الدابة .. وعمل في بعضها حمالات ليعول لنفسه .. وعمل في بعضها نساخا، وكان حسن الخط .. وأكسبته كل هذه التجارب خصوبة فكر ..
وهو في كل ما يعرض له يرفض العطاء، ويصمم على ألا يأكل إلا من عمل يده .. كان كثير الرحلة إلى اليمن يطلب الحديث من أحد علمائها، ورأى الشافعي حين كان ببغداد رقة حال احمد، وعناءه في رحلاته إلى اليمن، وكان المأمون قد طلب من الشافعي أن يختار له قاضيا لليمن فعرض الأمر على تلميذه احمد، فأبى .. فلما ألح عليه الشافعي قال له احمد: "إن عدت إلى هذا لا تراني أبدا".
بدأ احمد في طلب الحديث وهو في مطلع الشباب .. في الخامسة عشرة من عمره .. وظل سبع سنوات يتلقى الحديث على شيوخه في بغداد، ثم سافر في طلبه وهو في مطلع شبابه في الثانية والعشرين .. سافر يلتمس الحديث عن شيوخ البصرة، فأقام عاما، ورجل بعده إلى الحجاز، وهناك سمع للشافعي بالمسجد الحرام، فقال لصحبه الذين قدموا الحجاز معه: "إن فاتنا علم هذا الرجل فلن نعوضه إلى يوم القيامة".
ثم عاد إلى بغداد، وعاد مرة أخرى إلى الحجاز .. وهناك سمع من الإمام مالك والإمام الليث بن سعد المصري وآخرين، ثم سافر إلى اليمن ليلزم شيخه عبد الرازق بن همام، وكان قد التقى به في الحج، ووجد عنده كثيرا من الأحاديث، فآثر أن يلزمه باليمن فيتلقى عنه .. ولقد حاول عبد الرازق أن يصله ببعض الدنانير، ولكن احمد بن حنبل أبى .. وصمم على أن يكسب عيشه بعمل يده فاشتغل نساخا .. وتوالت رحلاته إلى خراسان وفارس وطرطوس .. وإلى كل مكان يسمع أن فيه راوية حديث ..
كان احمد قد تعلم الحديث أول ما تعلم من أبي يوسف أحد أصحاب أبي حنيفة .. وكان أبو يوسف قاضي قضاة الدولة، وله حلقة درس يعلم فيها الناس .. وقد بهر احمد بعلم أبي يوسف، وأعجب بجرأته في الحق .. وكان احمد لا يفتأ يذكر بإكبار ما صنعه أبو يوسف مع وزير الخليفة، إذ رد شهادة الوزير قائلا: "لا نقبل شهادة الوزير لأنه قال للخليفة أنا عبدك!.. فإن كان صادقا فهو عبد ولا تقبل شهادة العبد، وإن كان كاذبا أو منافقا، فلا شهادة لكاذب أو منافق!".
على أن احمد بن حنبل على الرغم من إكباره لأستاذه أبي يوسف، لم يجد عنده كل ما يريد من حديث .. فقد كان أبو يوسف من أصحاب الرأي .. واحمد بعد أن حفظ القرآن يريد أن يحفظ كل الآثار التي خلفها الثقات من رواة الأحاديث .. فما ترك احمد أبا يوسف قاليا له، فقد شارك أبو يوسف في صياغة وجدان احمد وضميره الديني والاجتماعي، ولكنه ترك بحثا عما عند غيره وهو على مودة معه. ودرس علي عبد الله بن المبارك، وكان فقيها واسع العلم، واسع الغنى في آن واحد .. ولقد حاول ابن المبارك أن يعين احمد بن حنبل بالمال، ولكنه أبى وقال إنه يلزمه لفقهه وعلمه لا لماله، بل على الرغم من ماله!!
وقد تعود ابن المبارك أن ينفق كل دخله على الصدقات وطلاب العلم. وكان زاهدا .. والزهد عنده التقوى .. يعلم الناس أن العالم الذي يشيع علمه بين الناس افضل ألف مرة من الذي ينقطع للعبادة .. وقد حكى أحد معاصريه أنه رأى بعيرين يحملان دجاجا مشويا لسفرة ابن المبارك، وكان يطعم الناس الفالوذج، ويأكل هو الخبز والزيت، فإذا اشتهى طعاما ما طيبا لم يأكله إلا مع ضيف .. ويقول: "بلغنا أن طعام الضيف لا حساب عليه." .. وقيل له: "قل المال فقلل من صلة الناس" فقال: "إن كان المال قد قل، فإن العمر قد نفد." وكان يقول: "ليس يلزمني من الدنيا إلا قوت يوم فقط" .. من أجل ذلك احب الناس عبد الله بن المبارك، والتفوا حوله حتى إنه قدم الرقة وبها هارون الرشيد، فاجتمع الناس وتزاحموا احتفالا به حتى "تقطعت النعال وارتفع الغبار"، فأشرفت زبيدة زوج هارون الرشيد من قصرها، فلما رأت زحاما لم تره قط سألت: "ما هذا؟" قالوا "الفقيه العالم عبد الله بن المبارك". فقال: "والله هذا هو الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي يجمع الناس إليه بالسوط والعصا والشرطة والأعوان" ..
وكان احمد من المعجبين بالعالم عبد الله بن المبارك، كان معجبا بشخصه وبفقه وعلمه وبسيرته بين الناس .. وعبد الله بن المبارك هو أحد الذين أثروا في احمد بن حنبل وفي تشكيل فكره وسلوكه ومواقفه .. فقد أدرك احمد في مطلع شبابه مما تعلمه من ابن المبارك أن الدعوة إلى الفقر ليست زهدا، وإنما هي تمكين للأغنياء من المال، ليكون المال دولة بين الأغنياء .. وأن الزهد الحق هو ما سنه الرسول عليه الصلاة والسلام، وتابعه فيه أئمة الصحابة من بعده .. وليس الإعراض عما أحل الله، بل التعفف عن النظر أو التفكير فيما حرمه الله أو اشتهاء ما يكرهه .. الزهد هو التقوى.
تحمل احمد المشقات، وخاض الغمرات، بحثا عن الأحاديث الصحاح يواجه بها ألوان البدع .. ثم إنه خرج إلى طرطوس مرابطا مستعداً للجهاد، ولبث فترة هناك ثم عاد إلى بغداد، فقد كان يرى الجهاد فريضة على كل قادر: الجهاد بالنفس أو المال أو بهما جميعا. كان العصر زاخر بالعلوم والمعارف، وكان الفقهاء من قبله يعنون بها ويتعلمونها، ولكنه لم يجد منهم أحد يتخصص في علوم الحديث، ويتوفر على الآثار وحدها، فوهب نفسه لإتقان علوم السلف فحسب، لأنه شعر بأن الأمة في حاجة إلى هذا التخصص.
وظل يرحل ماشيا في طلب الحديث إكبارا للغاية التي يسعى إليها أو عجزا عن النفقة، يحمل فوق ظهره متاعه وكتبه، ويؤجر نفسه للعمل إن نفد زاده .. حتى جمع آلاف الأحاديث، وهو ما يفتأ على الرغم من ذلك يجوب الآفات، حتى نحل جسده، فلامه في ذلك أحد أصدقائه قائلا: "مرة إلى الكوفة ومرة إلى البصرة ومرة إلى الحجاز ومرة إلى اليمن؟! .. إلى متى؟!" فقال احمد: "مع المخبرة إلى المقبرة."
وما كان لينتهي مهما تكن المشقة .. فقد كان يطلب من الحديث علوم الفقه .. كان يطلب فقه الخلفاء الراشدين، وفقه سائر الصحابة، وفقه التابعين وتابعيهم بإحسان .. وقد جلس في رحلاته إلى الحجاز في مواسم الحج إلى كل فقهاء عصره .. في المسجد الحرام، وفي الحرم النبوي .. على أن أحدا لم يجذبه كما جذبه الشافعي!.. واتصلت بينهما المودة منذ لقيه لأول مرة في المسجد الحرام .. وكان احمد في نحو الثانية والعشرين والإمام الشافعي يكبره بنحو ستة عشر عاما، ومع ذلك فقح أحس بأن الشافعي ليس أستاذا ومعلما فحسب، ولكنه أب أيضا..!
وعلى الرغم من أن احمد بن حنبل درس في مطلع شبابه علي أبي يوسف وهو من أصحاب الرأي، ثم درس علي الشافعي ولزم فقهه وهو وسط بين أهل الحديث وأهل الرأي، فقد كان احمد حريصا في حياته على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حرصا جعله يتشبه به في كل أمور الدين والدنيا، فما حفظ حديثا عن الرسول عليه السلام إلا عمل به .. وحتى قرأ أنه عليه الصلاة والسلام تسرى بمارية القبطية، فذهب إلى امرأته، وأعلمها بما علم، واستأذنها أن يتسرى، أسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم فأذنت، فاشترت هي له جارية ترضاها..!
وهكذا كان في بره لأمه .. كان بالطبع برا تصنعه الفطرة، ثم اتباعا للسنة، فقد حفظ احمد أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن أحق الناس بالرعاية فأجاب سائله "أمك" .. وأعاد السائل سؤاله مرتين: فأجابه: "أمك ثم أمك ثم أبوك" .. وفي الحق أن احمد بن حنبل كان مدينا لأمه بكل شيء .. فقد رفضت أن تدخل عليه زوج أم، على الرغم من جمالها وشبابها وطمع الخطاب فيها .. ثم إنها لقنته منذ صباه كل ما حفظه من سير، وأحاديث، وقصص بطولات .. ورسخت في أعماقه منذ كان طفلا قيم الإسلام الفاضلة ..
فهي كأبيها من بني شيبان، وكانت تحفظ مفاخر قومها، وقصص العرب، ومآثر الرسول والصحابة وتلقنها وحيدها .. وهي التي اختارت له المكتب الذي يتعلم فيه القرآن، ثم الشيوخ الذين يجلس إليهم بعد أن حفظ القرآن، ليطلب عندهم الحديث والفقه. وكانت تخاف عليه وهو صغير برد الفجر إذا خرج إلى الدرس قبل الأذان .. وقد روى احمد: "كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي وتقول: "حتى يؤذن المؤذن للفجر أو حتى يصبح الناس"..
حتى إذا كان في الخامسة عشرة، جاء إلى بغداد عالم عظيم، وأقام على الضفة المقابلة لدار احمد بن حنبل، وفاض نهر دجلة وارتفع الموج حتى ترك الرشيد قصره ونزل بأهله وأمواله وحاشيته إلى سفائن له، ولكن طلاب العلم هرعوا إلى العالم على الضفة الأخرى في الزوارق .. وأبى احمد حين دعاه زملاؤه إلى العبور قائلا: "أمي لا تدعني اركب الماء في هذا الفيضان" .. وترك العبور في حسرة، وعاد إلى أمه لتطمئن عليه..!
لكم كان برا بوالدته! .. رآها رفضت الزواج لكي تتفرغ للعناية به، فأبى هو الزواج ليفرغ للحدب عليها .. فما تزوج إلا بعد أن ماتت، وكان قد بلغ الثلاثين، لكيلا يدخل على الدار سيدة أخرى تنازع أمه السيادة على الدار!. وهاهو ذا في بغداد شاب جاوز الثلاثين، محفوف الشارب، مرسل اللحية، أسمر الوجه، تلوح في وجهه الأسمر سكينة وطمأنينة، ويشع من عينيه بريق حاد، نحيل الجسد، متوسط الطول، مثقل القلب بما يحدث من حوله .. كثير التأمل في أحوال الناس، مأخوذ بالبحث عن الخلاص، مشدود إلى الحقيقة، وإلى طريق العباد مما هم فيه..
وما أبشع ما هم فيه!
ذلك أنه منذ صباه شهد بغداد تزخر بألوان الثراء الثقافي والمادي وتتصارع فيها المذاهب الفكرية والفقهية والعلمية، وترتفع فيها القصور المحفوفة بالحدائق والزرع وجنات الفاكهة والريحان، وتفيض فيها الأموال والنزوات، وفي بغداد مع ذلك من لا يجد قوت يومه! .. وما بهذا أمر الله ورسوله!. فقد ورث المؤمنون عن الرسول موعظة يتحتم عليها أن يتدبروها: أنه ليس مؤمنا من بات شبعان وجاره جوعان! .. وكم في بغداد من بيت بين الناي والعود والعزف والشراب والطعام والقصف، والجيران جياع..!!
ثم إن بغداد التي مازالت لياليها تضيء بآثار السلف الصالح، وبالتماعات أفكار المجتهدين، بغداد هذه تجللها المعصية والمظالم .. إذ شاع الانحراف، وظهر الغزل بالمذكر!! وقد أحرق أبو بكر الصديق من قبل قوما تعاطوا هذا المنكر في الشام!! ثم إن أموال الدولة تنفق بلا حساب على الندامى والمغنيات وأهل الطرب والمضحكين والمنافقين..!!
وهذه الدولة العظيمة التي تحكم العالم، وتصوغ حضارة لم يعرفها التاريخ من قبل، وتسخر عقول المفكرين والعلماء فيها كل شيء لراحة الإنسان، وتقتحم هذه العقول عوالم الأفلاك في جسارة نادرة لتصبح الطبيعة أمام الإنسان كتابا مفتوحا، طاقاتها ميسرات لفكره .. هذه الدولة التي حملت كل المعارف والكتب التي وجدتها في البلاد المفتوحة، فعربت كل معطيات الحضارة المصرية واليونانية والفارسية والهندية، وأضافت إليها .. هذه الدولة نفسها لا تقيم العدل كما يجب .. وتسمح لنفسها بأن تقتل اكبر شعرائها بشار بن برد، لأنه نقد الخليفة المهدي وقال عنه "خليفة الله بين الزق والعود" .. فتحرق الدولة أشعاره وتفتري عليه ما لم يقله، لتتهمه بالإلحاد والزندقة، وتضربه حتى يموت!!
وهذه الدولة تسمح لامرأة الرشيد بأن تتدخل في القضاء!! .. ذلك أن وكيل امرأة الرشيد اشترى لها جمالا من رجل من خراسان بثلاثين ألف درهم، وكان الخراساني قد ساق الجمال ليبيعها في بغداد. واستلم وكيل امرأة الرشيد الجمال، وماطل في دفع الثمن، وعطل الخراساني عن السفر .. ثم أعطى الخراساني ألفا ولم يدفع الباقي .. فشكاه الخراساني إلى القاضي، فأمر الوكيل بأداء باقي الثمن، ولكنه قال إنه على السيدة أم جعفر امرأة الرشيد، فقال له القاضي:
"يا أحمق! تقر ثم تقول على السيدة؟!" .. وأمر القاضي بحبس الوكيل.
وعلمت امرأة الرشيد فقالت للرشيد: "قاضيك هذا أحمق. حبس وكيلي واستخف به، امنعه من نظر القضية" فأجابها الرشيد، وأطلق سراح وكيلها، ووجه إلى القاضي يمنعه من النظر في الدعوى!! .. ثار القاضي حين علم بإطلاق سراح الوكيل، فلزم بيته، وامتنع عن حضور مجلس القضاء .. ولكنه حين علم أن الرشيد سيمنعه من نظر الدعوى، خرج من داره، وأرسل إلى الخراساني أن يحضر شهودا ويلحق به في مجلس القضاء .. وجلس القاضي ينظر في الدعوى ويسأل الشهود ويستجلي بينات الخراساني .. وحكم للخراساني بالمال كله .. وأخذ يسجل الحكم..
ثم جاء خادم أم جعفر امرأة الرشيد يقول للقاضي: "عندي لك كتاب من أمير المؤمنين" فقال له القاضي: "مكانك نحن في حكم شرعي .. مكانك حتى نفرغ منه". فقال الخادم: "كتاب أمير المؤمنين" فقال القاضي: "اسمع ما يقال لك".
ومضى القاضي يسجل الحكم وأسبابه حتى فرغ، فأخذ كتاب أمير المؤمنين، وكان فيه كما يعلم قبل أمر بتنحيته عن نظر القضية .. فلما قرأ القاضي كتاب الرشيد قال للخادم: "أقرئ أمر المؤمنين السلام، وأخبره أن كتابه ورد وقرأته وقد أنفذت الحكم". فقال الخادم: "قد عرفت والله ما صنعته. أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد .. والله لأبلغن أمير المؤمنين بما فعلت" قال القاضي: "قل له ما أحببت".
كان احمد بن حنبل يتأمل في التدخل في القضاء ويتألم!! ترى كم من القضاة يستطيع أن يصنع كما صنع القاضي حفص بن غياث..؟! من الحق أن الرشيد ضحك عندما سمع ما فعله القاضي حفص بن غياث، وأمر له بجائزة قدرها ثلاثون ألف درهم مما جعل القاضي يقول: "الحمد لله كثيرا من قام بحقوق الشريعة ألبسه الله رداء المهابة" .. ولكن الخليفة لم يعاقب وكيل امرأته، لأنه حاول أخذ الجمال من الخراساني دون أن يدفع ثمنها .. ولم يمنع امرأته من التدخل في القضاء! ومن يدري فربما كانت هناك مظالم كثيرة أخرى لم يتقدم بها أصحابها إلى القضاء .. أو لعل من القضاة من لم يغامر كما غامر القاضي حفص!
هكذا كان احمد بن حنبل يرى صور الفساد ويأسى ويفكر في الخلاص .. فالحكام يسرقون ويقطعون يد السارق .. ومن العلماء من ينهي عن المنكر ويقترفه .. حتى صح فيهم ما قاله ذو النون المصري: "كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا للدنيا وتركا لها. واليوم يزداد الرجل بعلمه حبا للدنيا وطلبا لها .. كان الرجل ينفق ماله على علمه واليوم يكتسب الرجل بعلمه مالا. كان يرى على صاحب العلم زيادة في باطنه وظاهره واليوم يرى على كثير من أهل العلم فساد في الباطن والظاهر."
لا إلا باللجوء إلى السنة واتباعها .. وإلا بالتأسي بسيرة السلف الصالح، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون. بما فيهم علي بن أبي طالب. وكان احمد يعرف أن أشد ما يغيظ حكام بني العباس هو نشر فقه الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .. ذلك أن كثرة الثناء على الإمام علي، يثير بني أمية، ثم على خلفاء بني العباس، وحدثت فيهم من أجل ذلك مقاتل عظيمة .. ومن لم يقتل من بني علي .. عاشوا يرسفون في أغلالهم تحت الأبراج.
وكان فقه الإمام علي بن أبي طالب وأقضيته، في صدور قلائل من العلماء أكثرهم من الشيعة. ثم أذاع آراءه وأفكاره منها بنو العباس أبناء عمومته في محاربة مظالم بني أمية .. ولكن بني العباس خشوا أن يستعملها المعارضون في نقدهم، وخافوا أن يكتسب بها المعارضون حب الناس وتأييدهم .. وهكذا أخفى حكام بني العباس أقضية الإمام علي وفتاواه وفقهه .. واستخفى بها الصالحون!! .. وكان العباسيون كالأمويين لا يطيقون معارضة .. فما ترتفع رأس بالشكوى أو النقد أو الاعتراض، حتى يهوى على عنق صاحبها سيف الجلاد، أو يخرس لسانها في غيابات السجون تحت وطأة عذاب غليظ أليم شديد..!
ولكن احمد بن حنبل ما كان يستطيع أن يتجاهل سيرة علي بن أبي طالب ولا أفكاره لتكون من بعد سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لمن يريد أن يعتبر بآثار السلف الصالح. بحث الإمام احمد عن فقه وأقضية الخلفاء الراشدين، فأعجب بما عرفه من فقه الإمام علي كرم الله وجهه، وبدأ ينشره ويستشهد به .. فوجد عليه خلفاء بني العباس وجدا شديدا، وأهمهم أمره!! ولكنهم لم يظهر الغضب عليه، فما كان احمد يعمل بالسياسة، وما كان رأيه في الخلافة ليزعجهم، بل إن هذا الرأي على النقيض يرضي خلفاء بني العباس. ذلك أن احمد كان يرى وجوب طاعة الخليفة ولو كان فاجرا .. فطاعة الفاجر عنده خير من الفتنة التي لا تصيب الذين ظلموا خاصة بل تصيب معهم الأبرياء، وتضعف الدولة فيطمع فيها أعداء الإسلام!!
وكان لا يشترط لصحة الخلافة إلا أن يكون الخليفة من قريش وإلا أن يبايعه الناس. والبيعة شرط جوهري لقوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم." فإذا تغلب أحد على منصب الخليفة وإن لم تكن الخلافة حقا له، وبايعه الناس بالخلافة، وجبت طاعته أيا ما يكن أمره من العدل أو الظلم والفجور أو التقوى .. ويقول احمد في ذلك: "السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن اجتمع عليه الناس ورضوا به ومن غلبهم بالسيف وسمى أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر .. ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس قد اجتمعوا عليه، "وأقروا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه كان، بالرضا أو بالغلبة، فقد شق الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم."
وهو مع ذلك لا يقر السكوت عن الخليفة الظالم، ولكنه يرى أن النصح له أولى من الثورة عليه..! .. وهو يرى النصح فرض كفاية على كل أصحاب الرأي والعلم، فإن قام به بعضهم سقط الفرض الشرعي عن الجميع، وإن لم يقر به أحد أثم الجميع .. ومن عجب أن احمد الذي فرض على الناس طاعة الخليفة وإن كان فاجرا، نأى بنفسه عن الاتصال بالخلفاء، ورفض أموالهم، وأبى أن يتولى منصبا في ظل أحدهم على الرغم من حاجته الملحة إلى المال .. لأنهم ظالمون!!
وقد هاجم بعض المفكرين من معاصري احمد آراءه في الخلافة .. واتهموه أنه ينسب إلى الرسول والصحابة نقيض آرائهم، فالرسول يأمر أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويحذر المسلمين أن يسكتوا على الظلم والفجر، لأنهم إذا سكتوا عنه عمهم الله بالعقاب .. والصحابة قوموا أولياء الأمر منهم وردوهم إلى الصواب .. ثم إن هؤلاء المفكرين اتهموا احمد بالدعوة إلى الإذعان والرضا بالظلم وبالمعصية ..
غير أن احمد رد عليهم أن خير التابعين عاشوا تحت مظالم الأمويين فلم يدعوا الرعية إلى الخروج عليهم .. وهو إنما يدعو إلى الطاعة مع استمرار النصيحة، لا إلى السكوت عن المظالم .. وإذا كانت طاعة الحاكم الظالم ظلما، فالخروج عليه ظلم أفدح، لأن الخروج مجلبة للفتنة، وفي الفتنة تنتهك الحرمات، وتهدر دماء الأبرياء كما حدث في كل الثورات في العصر الأموي والعباسي..! ومهما يكن من شيء، فما تجرأ أحد من معاصري احمد على اتهامه بأنه ينافق الخلفاء، ولكنهم عابوا رأيه، واعتبروه خطأ في تقدير ضررين أيهما أقل، وأيهما أكثر فيدفع..
على أن الإمام احمد بن حنبل لم يكن بدعا في هذا الرأي، بل كان فيه متفقا على نحو ما مع ما أفتى به الأئمة الثلاثة من قبله: أبو حنيفة النعمان، ومالك ابن أنس، والشافعي، فكلهم رأى أن طاعة الحاكم الظالم مع توجيه النصح له، خير من الثورة عليه لما يصاحب الثوارت من عدوان على الأنفس والحريات والأموال .. إلا الإمام أبا حنيفة، فقد أيد ثورة الإمام زيد ابن علي وأوشك أن يخرج معه مجاهدا ضد مظالم الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ..
وعلى الرغم من أن ابن حنبل كان شديد التأثر بالشافعي، فقد اختلفا في بعض شروط الخلافة، فالشافعي يجعل العدالة شرطا لصحة الخلافة .. وإن لم يؤيد الثورة على الخليفة إن كان ظالما. والجدير بالذكر أن الإمام الليث ما كان يشترط أن يكون الخليفة عربيا .. ولكنه اشترط العدالة والبيعة..!
انصرف احمد يجمع السنن وآثار الصحابة، ويبحث من خلالها عن أحكام تنقذ الناس من الضلال .. وكان يجمع ما رواه الصحابة من أحاديث، كل على حدة، ويسند إلى الصحابي ما رواه .. فكان لابد أن يجمع ما رواه الإمام علي بن أبي طالب لا يبالي في ذلك أن يتهمه أحد بالتشيع أو بالميل إلى العلويين .. وفي الحق أنه ما كان متشيعا ولا صاحب ميل للعلويين .. ولكنه تعلم من أستاذه الشافعي أن الإمام علي كان أحق بالخلافة من معاوية، وأن معاوية كان باغيا، ودافع احمد عن رأي أستاذه في مواجهة منتقديه .. وقد روى احمد عن أستاذه الشافعي: "قال رجل في علي: ما نفر الناس منه إلا أنه كان لا يبالي بأحد. فقال الشافعي كان في علي كرم الله وجهه أربع خصال لا تكون منها خصلة واحدة لإنسان إلا يحق له ألا يبالي بأحد، كان زاهدا، والزاهد لا يبالي بالدنيا وأهلها، وكان عالما، والعالم لا يبالي بأحد، وكان شجاعا والشجاع لا يبالي بأحد، وكان شريفا والشريف لا يبالي بأحد. وكان علي كرم الله وجه قد خصه النبي صلى الله عليه وسلم بعلم القرآن، لأن النبي عليه الصلاة والسلام دعا له وأمره أن يقضي بين الناس. وكانت قضاياه ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيمضيها."
وقد رأى احمد بن حنبل أن اتباع أحكام الإمام علي سنة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر جميع أحكامه، فكأنه هو الذي حكم .. ثم أنه قد خصه بعلم القرآن .. وعجب علماء الشيعة والمفكرون الذين يؤيدونهم لأمر الإمام احمد.! لقد حسبوه عدوا لهم، وعدوا للإمام علي منذ أفتى بأن طاعة الحاكم واجبة حتى إن كان ظالما أو فاجرا، والثورة عليه خروج على الإسلام!. وكان الشيعة يرون أنه لا طاعة لحاكم ظالم، ويجب على الرعية أن تثور عليه، فإن سكتوا عنه فليس سكوتهم طاعة له واجبة، بل اتقاء لظلم أفدح، وانتظارا للفرصة المناسبة .. وإذن فرأى احمد بن حنبل أن طاعة الخليفة الظالم الفاجر واجبة شرعا، وأن الثورة عليه مخالفة للسنة، إنما هو إدانة للشيعة ولإمامهم الحسين بن علي سيد الشهداء رضى الله عنه، وموافقة على مقاتل الطالبيين، وشرها تلك المذبحة الوحشية الفاجرة في كربلاء..!!
ما بال احمد يسند بفتواه قتلة الإمام الحسين، وقتلة الإمام زيد، وغيرهم من أئمة الشيعة، ثم هاهو ذا يمدح الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ويعتمد على فقهه؟!! كان اللجاج شديد في ذلك العصر بين دعاة الحرية السياسية والاجتماعية من حماة العدل وبين غيرهم من الفقهاء .. ومن أجل ذلك اشتدوا على احمد ابن حنبل، لأنه كان يرى الطاعة للحاكم الظالم الفاجر، ويرى الخروج عليه مخالفة للسنة .. فهو إذن يؤيد الظالم الفاجر يزيد بن معاوية، ويرى أن خروج الحسين كان مخالفة للسنة!!.. وهذا رأي فاسد!..
وفي الحق أن احمد ما رأى ذلك وما أفتى به .. فقد كان يرى معاوية باغيا على الإمام علي كرم الله وجهه خرج عن طاعته وثار عليه، فهو مخالف للسنة .. أما عن خلافة يزيد بن معاوية، فإن احمد بن حنبل يرى أن معاوية أكره الناس على هذه البيعة .. ولا إكراه في البيعة، وليس على مستكره يمين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وما كان احمد بن حنبل من الذين يخوضون غمرات الصراع السياسي المتأجج، ولكنه كان يقول ما يؤمن به اتباعا للسنة مهما يكابد في سبيل رأيه، فهو أحرص الناس على التأسي برسول الله، وكان يقول "صاحب الحديث من يعمل به." .. وما كان يجيز طعن الصحابة من الخلفاء الراشدين، كما يفعل بعض غلاة الشيعة، وكان هذا سببا آخر لخلاف هؤلاء معه .. وقد تحدث أمامه جماعة من الناس فذكروا خلافة علي بن أبي طالب وتناولوا أمير المؤمنين بالتجريح، فتغير وجه احمد وقال لهم: "من طعن في علي كرم الله وجهه فهو مخالف للسنة، وليس للسلطان أن يعفو عنه" .. ثم رفع رأسه وقال: "إن الخلافة لن تزين عليا بل علي زينها"
ولقد سئل احمد عن حق علي في الخلافة فقال: "لم يكن أحد أحق بها في زمن علي من علي! ورحم الله معاوية!". وسئل عن تأييد أم عائشة لطلحة والزبير ضد علي فقال: "أكان طلحة والزبير يريدان أعدل من علي رضوان الله عليهم أجمعين؟". وسمع أحد غلاة الشيعة بهذا فقال: "هذه الكلمات أخرجت نصف ما كان في قلبي على احمد بن حنبل من البغض". وقد بنى احمد آراءه في قتال أهل البغي على سيرة الإمام علي كرم الله وجهه، متبعا في ذلك رأى الإمام الشافعي، فلما عاتبه أحد أصحابه قال: "ويحك" .. يا عجبا لك! فما عسى أن يقال في هذا إلا هذا؟! وهل ابتلى أحد بقتال أهل البغي قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه؟"
وفي الحق أن الشافعي أثر في احمد كما لم يؤثر أستاذ في تلميذه. حتى لقد قال احمد بعد أن أصبح إماما كبيرا: "إذا سئلت عن مسألة لا اعرف فيها خبرا (أي حديثا أو أثرا عن الصحابة) أخذت فيها برأي الشافعي."
وقد بلغ تقديره للشافعي أنه أنكر على شيوخه أن يكتبوا فقههم في كتب .. إلا الشافعي .. أنكر على مالك كتابة الموطأ وقال عنه: "ابتدع ما لم تفعله الصحابة رضى الله عنهم" وقرأ كتب شيخه أبي يوسف، وكتب محمد ابن الحسن، وأنكر عليهما أنهما كتبا فقههما .. وأبى على أصحابه أن يكتبوا آراءه أو فقهه هو نفسه .. ولكنه عندما وصله كتاب الرسالة الجديدة الذي وضعه الشافعي في مصر، وبهر بالرسالة، وقرأها على أصحابه .. وحضهم على تعلمها، واحتفظ بها في خزانة كتبه كما يصون كنزا .. وهكذا صنع مع كل كتب الشافعي التي وضعها في مصر، وهي كتب تأثر فيها الشافعي إلى مدى بعيد بفقه الليث بن سعد إمام أهل مصر. ولقد حمل احمد عن الشافعي تقدير كبير للإمام الليث، فكان لا يذكره إلا بالتقدير.
وقد كان أصحاب احمد يعرفون ميله للشافعي وإكباره إياه .. وكان هو يوصيهم بقراءة كتب الشافعي قائلا إنه "ما من أحد وضع الكتب منذ ظهرت اتبع للسنة من الشافعي". وكان الشافعي يبادله هذا التقدير، وقد عده الشافعي من العجائب: "ثلاثة من العلماء من عجائب الزمان: أعرابي لا يعرف كلمة وهو أبو ثور (وكان كثير اللحن)، وأعجمي لا يخطئ في كلمة وهو الحسن الزعفراني، وصغير كلما قال شيئا صدقه الكبار وهو احمد ابن حنبل".
كما قال عنه الشافعي: "رأيت في بغداد شابا إذا قال!! قال الناس كلهم صدقت." قيل من هو قال: "احمد بن حنبل" .. وقال عنه: "خرجت من بغداد، وما خلفت فيها رجلا افضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى، من احمد بن حنبل". وكان احمد يضع شيخه في أعلى مكان، ويقول إن الله يبعث على رأس كل مائة عام إماما صالحا من عباده، يحيى به السنن ويرفع شأن الأمة، وقد كان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وعسى أن يكون الشافعي على رأس المائة الثانية". على أن احمد بن حنبل، منذ وقف يتدبر أحوال المسلمين، ويتلمس طريق الخلاص، ووسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة، التمس طريقا يستنبط به الأحكام، فلم يجد افضل من أصول فقه الشافعي.
اجتمعت لأحمد خلال رحلاته عشرات الأحاديث النبوية، فأخذ يرويها للناس ويعمل بها .. وتأدب بأدب الرسول .. روى الحديث: "كل معروف صدقة ومن المعروف أن تلقي أخاك بوجه طلق" .. فكان لا يلقي الناس إلا مبتسما، ويقدمهم عليه إذا مشوا في طريق، أو دخلوا مكانا أو اصطفوا لصلاة الجماعة .. ويروي أحد أصحاب احمد أنه دخل معه مكانا، فإذا بامرأة معها طنبور (آلة للعزف)، فكسر صاحب احمد الطنبور، وسئل احمد عن ذلك فيما بعد فقال: "ما علمت بهذا، وما علمت أن أحداً كسر طنبورا بحضرتي إلى الساعة". ذلك أن احمد ترك المكان مستنكرا الأمرين جمعيا: عزف المرأة على الطنبور، وعدوان صاحبه عليها! .. فهو يكره لأصحابه أن يغلظوا، ويطالبهم حين يأمرون بالمعروف، أو ينهون عن المنكر أن يتبعوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كما علمه الله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة".
وكان احمد يكره الشطرنج ويراه لهوا يصرف الناس عن جد الأمور فسمع أن صاحبا له دخل على جماعة، حول رجلين يلعبان الشطرنج فطوح به ونهر الجماعة، فغضب الإمام احمد لما صنعه صاحبه بأصحاب الشطرنج..! كانت سماحته تسع الذين يسيئون إليه مهما تكن الإساءة فادحة! .. وشيء به رجل إلى الخليفة، وزعم أن ثائرا علويا يختفي في داره .. ولو صحت الوشاية لقتل الإمام احمد بإخفاء الثائر العلوي. فلما تبين للخليفة كذب الوشاية أرسل الواشي مصفدا إلى احمد، ليفتي برأيه في عقابه فقال احمد: "لعله يكون صاحب أولاد يحزنهم قتله!".
وهكذا أخذ احمد نفسه بالتأدب بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم .. وكان يقول: "إذ أردت أن يدوم لك الله كما تحب، فكن كما يحب". إن أبرز ما يميزه لهو التواضع .. قال له أحد الناس "جزى الله الإسلام عنك خيرا فغشاه الحياء .. جزى الله الإسلام عني خيرا؟ ومن أنا؟! ومن أنا؟!". عرف شيوخه منه هذا التواضع منذ كان يطلب عليهم العلم، فأشادوا به.
ذات يوم ضاق أحد شيوخه بالطلاب في الحلقة، وغاظه عجزهم عن فهم الدرس، فصاح الشيخ: "ألا تفقهون؟" فقال الطلاب: "كيف لا نفقه وفينا احمد بن حنبل". فقال الشيخ "أين هو؟" ودخل احمد فقالوا: "هاهو ذا" وجلس احمد حيث انتهى به المجلس كما تعود، وكما عاش يفعل إلى آخر العمر، فقال الشيخ لأحمد: "تقدم يا احمد" فقال احمد: "لا أخطو على الرقاب". فصفق الشيخ فرحا: "الله اكبر .. هذا أول الفقه".
على أن تواضع احمد وحياءه لم يمنعاه من الجهر بالحق .. بل كان على النقيض شديد على الباطل، لا يبالي في ذلك لومة لائم .. لاحظ أن بعض الفقهاء يفضلون العباس على الإمام علي بن أبي طالب، نفاقا للخلفاء والأمراء من بني العباس .. وسمع احمد بن حنبل، هذا الفقيه يذكر الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجه بما لا ينبغي، ويشكك في حقه في الخلافة، فأنبري احمد يقول للفقيه على مشهد من الناس: "من لم يثبت الإمامة لعلي فهو أضل من حمار..! سبحان الله! .. أكان علي كرم الله وجهه يقيم الحدود ويأخذ الصدقة ويقسمها بلا حق وجب له!؟ .. أعوذ بالله من هذه المقالة .. بل هو خليفة رضيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلوا خلفه، وغزوا معه، وجاهدوا، وحجوا، وكانوا يسمونه أمير المؤمنين راضين بذلك غير منكرين، فنحن له تبع" .. ثم قال: "ما لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثل ما لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه".
وعلى الرغم من أن احمد بن حنبل كان يرى أول الأمر أن طاعة الخليفة واجبة وإن كان ظالما أو فاجرا، ألا أنه عدل عن رأيه عندما ما أنضجته التجربة فيما بعد .. فعاد واعتبر طاعة الخليفة الظالم لونا من النفاق يجب أن يبرأ منه المؤمن!
ذلك أنه سمع قصة عن شيخه عبد الله بن المبارك ظلت تضنيه إلى آخر العمر .. فكانت دموعه تفيض من الندم ومن الرحمة والإشفاق، كلما تذكر ما حدث لأستاذه عبد الله بن المبارك .. وهو الأستاذ الذي لزمه احمد وإن لم يره قط .. فقد كان كلما لحق به في مكان ليسمع منه، وجده قد رحل عنه، حتى مات الشيخ، فلزم احمد آثاره وفقهه وتتبع سيرته واهتدى بها، وسمع احمد فيما سمع أن شيخه ابن المبارك مر وهو في طريقه إلى الحج بمزبلة قوم، فرأى فتاة تأخذ طائرا ميتا وتلفه، فسألها عن أمرها فقالت: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار وليس لنا قوت إلا ما يلقي على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ ثلاثة أيام (أي أن الجوع اضطرهما إلى أكل الميتة)، وقد كان أبونا له مال، فطلم وأخذ ماله وقتل .. فقال ابن المبارك لوكيله: "كم معك من النفقة؟". قال: "ألف دينار" فقال: "عد منها عشرين دينار تكفينا إلى مرو، وأعطها الباقي. فهذا افضل من حجتنا هذا العام"، ورجع
ما ذكر احمد هذه القصة إلا بكى .. فما فتواه إذن بوجوب طاعة خليفة ظالم؟! أيطاع خليفة يظلم رجلا فيقتله ويستولي على ماله ويترك أبناءه جياعا ينقبون في المزابل عن الطعام، فلا يجدون إلا الميتة؟!! .. يا حسرتا على العباد!!.. وإذن ما جدوى العلم والفقه وما جدوى كل شيء؟!
وما الإسلام إن كان على وجه الأرض من يلتمس القوت في المزابل، وفي الأمة مع ذلك مسلمون يملكون آلاف الآلاف؟! .. وفيها فوق ذلك علماء يمجدون الفقر ويدعون إليه باسم الزهد؟! .. أي زهد هذا!؟ بل إنه لإعانة للظالم على ظلمه..!. ثم ما الانشغال الكامل بالمجردات، والقضاء، والقدر، وخلق القرآن، والجبر، والاختيار؟! ما الاهتمام بهذه الأمور والحوار المصطخب حولها، والعدل معطل!!؟. إن المفكرين ليخبطون في العشوات، ويتركون الحكام يقتلون المظلومين ويصادرون أموالهم!. كم في الأمة من رجال ونساء يسقطون في الأوحال بدلا من أكل الميتة أو البحث عن القوت وسط المزابل؟!!. وكم من العلماء فكر في هؤلاء الجياع والمظلومين!! .. أعلماء وفقهاء هم، أم هم أوتاد وخشب مسندة يرتكن إليها الباغون!!
إن كل ما في أيدي الخلفاء والأمراء والأغنياء حرام عليهم، مادام في الأمة جياع! وستكوى ظهورهم وجنوبهم في نار جهنم بما يكنزون من ذهب وفضة، كما أنذرهم الله تعالى في كتابه الكريم!! .. والعلماء والفقهاء الذين يزينون لهم سيرتهم على أي نحو من الأنحاء، وحتى الذين يسكتون على هذا المنكر، إنما هم جميعا شياطين خرس، سيعاقبهم الله تعالى عقاب الشياطين يوم يقول الحساب!!
إن من هؤلاء الفقهاء والعلماء من يضلل الناس عن الحقيقة جهلا منه أو غفلة أو رياء للحكام. إنهم ليحببون الفقر لعامة المسلمين، وإنهم ليعظون عامة المسلمين ألا يفكروا في غير ذكر الله، عسى أن تطمئن قلوبهم .. ولكن ما جدوى ذكر الله إذا لم يعمل بهذا الذكر، إذا كنت تأكل الحرام؟! .. إن من أكلي الحرام من يستطيع أن يذكر الله أضعاف أضعاف غيره من المشغولين بالسعي في طلب الرزق!! .. ولكن ذكر الله ليس ما يتحرك به لسانك، وإنما هو عمل الصالحات! ..
ولقد طاف رجل على فقهاء بغداد يسألهم واحدا بعد الآخر: "بم تلين القلوب؟" قالوا: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" .. ثم لقي احمد بن حنبل فسأله فقال احمد: "بأكل الحلال". فعاد الرجل يطوف بهم جميعا ويذكر لهم جواب احمد .. وكأنه نبهم من غفلة، وفتح عيونهم على الحقيقة فقالوا: "جاءك بالجوهر. الأصل كما قال". ألف الناس أن يسألوا احمد بن حنبل كلما لقوه، فيجيبهم بعد التروي، وكثيرا ما كان يقول: "لا أدري" ..
وأغراه بعض المعجبين به أن يتخذ له حلقة في الجامع، ويجلس ليعلم الناس ويفتيهم، فيصير إماما .. ولكنه تحرج .. فقد كان يرى أنه يجب ألا يجلس للفتوى والتدريس حتى يبلغ الأربعين .. أي في سن النبوة! .. ثم إنه لا يستطيع أن يفتي وبعض أشياخه حي، فالشافعي أستاذه ما يزال حيا بمصر! .. وأمر آخر: إنه يريد قبل أن يجلس للفتوى والتدريس، أن يفرغ من تنسيق الأحاديث إلى جمعها في رحلاته العديدة المضنية، يريد أن يسند الأحاديث إلى رواتها من الصحابة ويخص لكل واحد منهم مسندا .. وعمل كبير كهذا يقتضيه الاعتزال في بيته ..
وبدأ يعتكف ليجمع مسنده، ويمحص ما فيه من الأحاديث، وعاتبه بعض الذين ألفوا لقاءه، فطلب منهم أن يتركوه ليعمل ما هو أجدى من غشيان مجالس ليس فيها غير أحاديث يثرثر بها قوم ألفوا السكوت على الباطل وظلم العباد .. كان قد بدأ يدون (المسند) منذ بدء عنايته بالحديث، وقد تعين عليه الآن أن يجمع شتات ما كتب، وأن يسطر على الورق كل ما حفظ، وأن ينظر في هذه الأحاديث مع إمعان النظر في نصوص القرآن، ليحسن استنباط الأحكام. وجمع (المسند) في كتب متفرقة، وظل يعمل فيه إلى آخر أيام حياته، لينسقه ابنه ويصنفه من بعده.
وكان احمد يكتب في مسنده كل ما يحفظه من أحاديث .. وقد قال هو فيما بعد لابنه عبد الله الذي روى فقهه وبوب مسنده، بعد أن سأله عبد الله عن حديث جاء في المسند، رويت بخلافه أحاديث أخرى قال احمد لابنه: قصدت في المسند المشهور، فلو أردت أن أقصد ما صح عندي، لم أرو من هذا المسند إلا الشيء اليسير، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث.
لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. وقد لاحظ ابن الجوزي أن بعض فقهاء الحنابلة فيما بعد قد اعتبروا كل ما جاء في المسند من أحاديث صحاحا على الرغم من تنبيه احمد بن حنبل نفسه. حزن ابن الجوزي لهذا، وكتب: "قد غمني في هذا الزمان أن العلماء لتقصيرهم صاروا كالعامة، وإذا مر بهم حديث موضوع قالوا: قد روى. والبكاء يجب أن يكون على خساسة الهمم ولا حول ولا قوة إلا بالله".
أصبح احمد بن حنبل وما في بغداد أحفظ منه للحديث، ولا أعمق منه بصرا بآثار الصحابة وفتاواهم، فضلا عن فقهه بعلوم القرآن. وشهد شيوخ بغداد بفضله وعلمه وتقواه، وجدارته بالتدريس والإفتاء. وهاهو ذا يبلغ الأربعين، وقد مات الإمام الشافعي، ووجب على احمد أن يتخذ له حلقة للتدريس والإفتاء بالمسجد الجامع ببغداد. وحدد موعدا لحلقته بعد صلاة العصر كما فعل الإمام أبو حنيفة منذ أكثر من خمسين عاما .. استقر لأحمد بن حنبل الآن منهج في استنباط الأحكام، خالف فيه أبا حنيفة ومالك بن أنس. وتابع فيه أستاذه الشافعي. وإذن فقد أصبح احمد بن حنبل إماما ..
وشرع الإمام احمد يفسر القرآن، ويروي الأحاديث ويفسرها، ويشرح للناس مذهبه في استنباط الأحكام، ويفتي فيما يطرح عليه من مسائل. وفي هذه الحلقات علم الناس أن من روى حديثا صحيحا ولم يعمل به .. فقد نافق! وفي هذه الحلقات تفجر فقهه أصولا وفروعا .. وأجاب على آلاف المسائل .. وازداد شهرة، وتزاحم الناس على حلقاته، وتركوا حلقات الفقهاء الآخرين، حيث وجده الناس غزير العلم، حسن الرأي، حلو الحديث، رفيع الذوق، كثير الحلم، جميل المعشر .. ووجدوه حفيا بالفقراء من طلاب العلم، بسواد الناس يقربهم ويهش لهم .. وقد جر عليه هذا كثيرا من العناء! فقد نفس عليه بعض فقهاء بغداد، وتبدل في قلوبهم إعجابهم به، ورضاهم عنه، لتشتعل الغيرة منه.
ثم إن طلاب العلم تابعوه إلى بيته، ولم يتركوا له وقتا للراحة أو العمل .. وعاتبه أحد أصدقائه لأنه لم يعد يلقاه كما ألف من قبل فقال له: "إن لي أحباء هم أقرب إلى ممن ألقاهم في كل يوم، لا ألقاهم مرة في العام.
أسرف عليه طلاب العلم ومحبوه، فأزعجوه، وما كان له حجاب ينظمون مواعيد الناس، كما كان للإمام مالك والإمام الليث من قبل، وما كان يستطيع أن يمتنع عن لقاء زواره إذا كان يعمل أو يستريح في بيته كما تعود مالك والشافعي .. وأثقل عليه أصحاب المسائل، وطلاب مودته، فخشي أن يفتن نفسه، أو يدهمه الغرور والكبر والزهو أو المراءاة وشكا همه إلى الله تعالى، وتمنى عليه لو أهمل ذكره، أو ألقى به في شعب من شعاب مكة حيث لا يعرفه أحد..!
ما كان الناس يتركونه ليستريح، والحياء بعد يمنعه من صدهم. ولاحظ أن في حلقاته من يكتب إجاباته وفقهه، فنهاه فما كان يحب كتابة الفقه .. وسأله سائل: "لم تنهي عن كتابة الفقه وابن المبارك الذي نعرف موقعه منك كتب فقه أهل الرأي في العراق؟" فأجاب: "ابن المبارك لم ينزل من السماء. وقد أمرنا أن نأخذ العلم من فوق." "أي من القرآن والسنة."
ذلك أن الإمام احمد كان يخشى إذا دون الفقه أن تتجمد الأحكام، ويشيع التقليد فيما يأتي من العصور، والفقه ينبغي أن يتجدد بالضرورة وفق مقتضيات الزمان، يضبط هذا كله ما جاءت به نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة، فهي وحدها الجديرة بالتدوين، بوصفها المعيار الموضوعي الثابت، ووعاء الأحكام الشرعية جميعا، إما بظاهر نصوصها، أو بدلالاتها الواضحة أو الخفية، وإما بالقياس على ما في النصوص من أحكام إذا تشابهت العلل والحكم. وتعود الإمام احمد في حلقة درسه بعد كل صلاة عصر، أن يفتي الناس وطلاب العلم عما يسألون، وأن يشغل نفسه وأهل الحلقة بما اشتغل به السلف: القرآن وتفسيره
وكان يعلمهم أن آيات القرآن يفسر بعضها بعضا، أو تفسيرها الأحاديث الشريفة، وآثار الصحابة الذين تلقوا علمهم من الرسول صلى الله عليه وسلم .. فموضوع الدرس إذن هو القرآن والسنة وآثار الصحابة. ثم إنه ليأخذ أهل الحلقة بإتقان اللغة العربية وآدابها وعلومها، ليسهل عليهم فهم القرآن والأحاديث ..
أما سائر المعارف التي انتشرت في عصر الإمام احمد، فما كان ليسمح بطرحها في الحلقة .. وبصفة خاصة الكلام في العقيدة .. وكان المعتزلة قد أحدثوا حركة فكرية عنيفة، وتصدوا للرد على الزنادقة والملحدين بما عرفوا من علوم المنطق والفلسفة، ثم أخذوا منذ حين يطرحون هم وغيرهم من صفاته، ووضع القرآن: أمخلوق هو أم قديم". ولقد تصاول المفكرون والفقهاء من قبل حول عدد من هذه القضايا مثل الجبر والاختيار، فمنهم من ذهب إلى أن الإنسان حر في حدود علم الله وتقديره.
ومنهم من قال بالجبر، فالإنسان في كل أفعاله مجبر فهو مسير لا اختيار له. ومنهم من أنكر هذا كله، وقال بأن الإنسان حر الاختيار، وأن حريته هي مناط التكليف وأساس الحساب، فإذا لم يكن الإنسان حرا فعلام يحاسب، وفيما الثواب والعقاب؟! .. إنه لعبث إذن وهو ما يتنزه الله تعالى عنه .. ومنهم من قال إن صفات الله جزء من ذاته العلية. ومنهم من قال أن ما هو حسي من هذه الأوصاف والصفات يجب أن يؤول عن ظاهرة معناه وأطالوا الحوار في أسماء الله تعالى أهي الذات أم صفات غير الذات العلية، وفي كيفية رؤيته يوم القيامة. والعلم الذي يتناول هذه الأمور جميعا يسمى بعلم الكلام .. وكان علماؤه أشداء في الجدال، متمرسين بأساليب الحوار ..
إلا أن الإمام احمد بن حنبل رفض الحوار، أو التفكير في علم الكلام كله، وحث الناس على ألا يتناولوا من أمور الدين إلا ما جرت عليه السنة وأثار الصحابة .. قال: "لا أرى الكلام إلا ما كان في كتاب أو سنة أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه أما غير هذا فإن الكلام فيه غير محمود". رفض أن يطرح في حلقته أمر من العقائد، على الرغم من أن الحياة الفكرية خارج حلقته كانت تضطرب بهذه الأفكار التي تصطرع حولهما عقول المفكرين والعلماء والفقهاء. وهو صراع طرح نفسه على مجالس الخلفاء، فشجعوه وأقاموا له ندوات الحوار ..
ولقد تلقى الإمام احمد كتابا من أحد أصحابه يسأله عن مناظرة علماء الكلام، فرد عليه الإمام احمد: "الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ". والحق أن الإمام احمد بن حنبل كان شديد التمسك بسيرة السلف وآثار الصحابة فيما يمس العبادات والعقائد.
أما أحكام المعاملات فقد تطور بها، وتوسع فيها، ووضع لها من القواعد ما يفتح أبواب الاجتهاد للفقهاء في كل عصر كلما دعت الحاجة. فالرجوع إلى الحق فضيلة وهو خير من التمادي في الباطل. من ذلك أنه أباح كتابة بعض فقهه لمصلحة رآها. وكان يغير آراءه ومواقفه، كلما تبين له وجه أصوب في الأمر ..
ومن ذلك أنه غير موقفه من علم الكلام .. إذ تبين له أن لا مصلحة في السكوت عن علم الكلام .. وما كان العصر ليترك مثل الإمام احمد في صمته عما يثيره المتكلمون، فوجد أن مصلحة الشريعة تقتضيه أن يقول آراءه فيما يشغل الحياة الفكرية والفقهية من حوله، فهذا أجدى على الدين من الصمت، والنهي عن الحوار أو التفكير!.
فأعلن آراءه في قضايا الإيمان، والقدر، وأفعال الإنسان، وصفات الله .. ولكنه دعا عددا قليلا من خاصة العلماء والفقهاء وصفوة الصحاب ليذيع فيهم هذه الآراء .. ذلك أن حلقته في الجامع كانت قد أصبحت تضم آلافا من طلاب العلم ومحبي آرائه .. وإنه ليخشى أن يتسع الحوار حول العقائد بين هذه الأعداد العديدة من الناس، فيزيغ بصر، أو يضل عقل، أو تزل قدم بعد ثبوتها، أو يستقر خطأ ما في قلب من لم يؤهله علمه بعد لبحث أمور العقائد!
قال الإمام احمد في الحلقة التي يعقدها في داره "إن الإيمان قول وعمل، وهو يزيد وينقص، زيادته إذا أحسنت ونقصانه إذا أسأت. ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، فإن تاب رجع إلى الإيمان. ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو برد فريضة من الفرائض جاحدا لها. فإن تركها تهاونا بها وكسلا كان في مشيئة الله. إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه". أما رأي الإمام احمد في مرتكب الكبيرة فهو ليس كافرا، ولا هو في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، وليس معفوا عنه، وإنما عليه أن يتوب، وأمره إلى الله .. فمن زعم أنه كافر "فقد زعم أن آدم كافر، وأن أخوة يوسف حين كذبو أباهم كفار." .. وقال: لا يكفر أحد من أهل التوحيد وإن عمل بالكبائر.
وما كان للإمام احمد ليجهر بهذه الآراء في حلقته العامة، فيسيء فهمها أحد ويجسر الناس على اقتراف الكبائر .. بل خص بآرائه أهل العلم في حلقته الخاصة في داره، حيث الجو الصالح للتفكير والحوار في أمور حرجة كتلك .. وأما عن القضاء والقدر فقد قال: "أجمع سبعون رجلا من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرضاء بقضاء الله، والتسليم لأمره، والصبر تحت حكمه، والأخذ بما أمر الله به، والبعد عما نهى عنه، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين". وقال: "الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس كلما ازداد نظرا ازداد حيرة".
أما عن صفات الله وأسمائه مما جاء في القرآن أو السنة، فيرى الإمام احمد روايتها واتباعها كما جاءت، فلا نقحم عليها ما لا يصلح لضبطها وهو العقل .. فهي أمور اعتقادية ينبغي على المؤمن أن يسلم بها كما هي .. وكذلك رؤية الله تعالى يوم القيامة، يجب فيها أن نؤمن بما جاء في الأحاديث الشريفة، وقد رأى الرسول ربه، ويجب أن نفهم الأحاديث بظاهرها. على أن احمد يرى في انشغال الفكر بهذه الأمور ترفا يصلح أن يتلهى به الخلفاء والأغنياء في قصورهم!. هو ترف يصلح للذين لا يعنيهم العدل، وقد تؤذيهم إقامته. والانشغال بهذا الجدل هو بعد إقصاء للفكر عن شئون الحياة ومجافاة لمقاصد الشريعة التي تتوخى مصالح العباد .. فالفقيه الحق الفاضل يجب أن يشغل من أمور الدين بما يقيم المجتمع الفاضل الذي أراده الشارع الحكيم أي بما يحقق مصالح الناس.
وإذن فينبغي ألا يشغل الفقيه التقي إلا بما يفيد الناس في حياة كل يوم .. إلا بما تحته نفع كما قال الإمام مالك بن أنس من قبل، وكما صنع الأئمة العظام أبو حنيفة والليث بن سعد وابن المبارك والشافعي. أما ما يعنيه الخلفاء والأمراء والأغنياء من شغل العلماء والفقهاء والمفكرين بغير واقع حياة الناس وصرفهم إلى التصارع العقلي في المتاهات فهذا كله لا جدوى منه، وهو استدراج لهم لينشغلوا عن مصالح الأمة، وعن استنباط الأحكام والضوابط التي تكفل هذه المصالح، ليخلص للخلفاء والأمراء إلى ما هم فيه من ترف وظلم واستبداد؟! وليظل في الرعية من يبحث عن الطعام وسط المزابل، والرعاة متخمنون!!
هكذا كان الإمام احمد ينظر إلى اشتجار الخلاف من حوله في أمور العقائد، وإلى انشغال الفكر بها، وحرص الخلفاء والأمراء على تشجيع الانصراف إليها .. لكأن ولاة الأمور لا يريدون للفقه أن يعني بأحوال الرعية، وأن يقيم العدل، وأن يضع الميزان .. إن هؤلاء الحاكمين ليشجعون الزهاد على تمجيد الفقر، والانصراف عن هموم الحياة، وكأن الإسلام دعوة إلى الفقر! .. ثم إنهم في الوقت نفسه يحضون أهل الفقه والعلم والفكر على الانصراف عن الواقع إلى ما وراء الواقع .. عن الحياة إلى ما قبل الحياة وما بعد الحياة .. فمن بعد ذلك يحاسب الحكام على ما لم يفعلوه للرعية، وعلى ما يقترفون!!؟ ومن ذا الذي يدافع عن المعدل والحق ومصالح الناس؟!
ما كان للفقهاء الأبرار الذين وقفوا جهودهم على خدمة الشريعة أن يقعوا في الفخاخ!! وهكذا جعل الإمام احمد كل همه إلى ما يفيد الناس. وفي الحق أن الإمام احمد بن حنبل لم يهاجم ظلم الحاكم علنا، كما فعل من قبله أبو حنيفة الذي حرض صراحة على الثورة، ولكن آراء الإمام احمد عن العدل وعن الأسوة الحسنة، وعن حقوق ذوي الحاجة، ثم فتاواه .. كل أولئك قد أوغر ضده الصدور.
وكان استنباطه للأحكام والفتاوى يعتمد على نصوص القرآن والسنة وأقوال الصحابة وآثارهم، ثم القياس. قال احمد عن القياس: "سألت الشافعي عن القياس فقال يصار إليه عند الضرورة". وهذا هو ما فعله احمد، فهو لا يلجأ إلى القياس إلا إذا لم يجد حكما في نص القرآن أو السنة أو أقوال السلف، والسلف عنده هم الصحابة والتابعون. فإذا اختلفت أقوال الصحابة اختار أقربها إلى نصوص القرآن والسنة. وإذا اختلفت أقوال التابعين اختار منها ما هو أقرب إلى القرآن والسنة أو ما وافق الصحابة مجتمعين أو أقرب أقوالهم إلى النصوص.
وهو على خلاف من سبقوه، يقدم الحديث الضعيف على القياس .. مادام الحديث قد صح عنده وتأكد أنه غير موضوع .. أما الإجماع فهو يرى أنه لم ينعقد بعد الصحابة .. وقال في ذلك: "ما يدعي الرجل فيه الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا .. ما يدريه؟ فليقل لا نعلم مخالفا". وقال: "قد كذب من أدعى الإجماع". أما الصحابة فهم معروفون بأسمائهم، والعلم بإجماعهم وخلافهم ميسور. والإمام احمد يلحق إجماع الصحابة بالسنة، لأنهم لا يجمعون إلا على ما علموه علم اليقين عن الرسول صلى الله عليه وسلم إما رواية عنه أو اجتهادا منهم أقرهم عليه ..
فالإمام احمد لا ينكر الإجماع بعد الصحابة ولكنه لا يتصور حدوثه .. ولهذا اعتمد على القياس بعد النصوص وآثار الصحابة .. على أنه إذ يعتمد القياس أصلا من أصول فقهه، إنما يفعل ذلك اتباعا للسنة والسلف الصالح .. ويقول: "القياس لا يستغني عنه والرسول صلى الله عليه وسلم أخذ به، وأخذ به الصحابة من بعده".
ويتسع القياس عند الإمام احمد أكثر مما يتسع عند غيره من الأئمة، فالقياس عند الإمام أبي حنيفة شيخ فقهاء الرأي وشيخ القياسيين هو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر منصوص على حكمه لاتحاد العلة أو تشابهها، وعلى هذا سار الفقهاء الآخرون حتى الشافعي. أما الإمام احمد فلم يقتصر في القياس على علة الحكم وحدها، بل التفت إلى الحكمة.
وعلة الحكم هي سببه، أما الحكمة فهي هدفه .. وهي المصلحة التي يريد تحقيقها والمضرة التي يريد تجنبها فعلة الحكم بإفطار المسافر هي السفر، أما الحكم فهو حفظ النفس ودفع المشقة .. وأخذ بالحكمة يباح إفطار من كان في عمله مشقة بحيث إذا صام لم يتمكن من العمل .. وعلى هذا النحو من التوسع في القياس الأخذ بالقياس الظاهر والخفي، وبمراعاة الحكمة إلى جوار العلة، أدخل الإمام احمد في أقيسته الأخذ بالمصالح، وهي التي لم يقم دليل على تحريمها أو إباحتها.
والإمام احمد يأخذ بها قياسا على روح الشريعة المستوحاة من نصوص الكتاب والسنة، وإن لم يكن قياسا على نص خاص. ثم إنه أخذ بالاستحسان وهو الحكم في مسألة بغير ما حكم به في نظيرها، ورعاية للمصلحة على خلاف أستاذه الشافعي الذي قال: "الاستحسان تلذذ". وأخذ الإمام احمد بالاستصحاب وهو مصاحبة الواقع، فما ثبت في الماضي ثابت في الحاضر.
كما أخذ بالذرائع وهي الطرق والوسائل المؤدية إلى الفعل وتوسع فيها كما لم يتوسع إمام من قبله. فهو يرى أن الطرق لتحقيق المقاصد تابعة لها، فوسائل المحرمات محرمة ووسائل المباحات مباحة كما قال ابن القيم أحد شراحه. والأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة التي هي أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ .. ومن تأمل مصادر الشريعة ومواردها، علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها" ..
من أجل ذلك اهتم الإمام احمد بالباعث على الفعل، وبنتيجة الفعل .. فمن أراد أن يقتل رجلا بسهم ولكنه أخطأه وأصاب حيه كانت تريد أن تلدغ خصمه فهو آثم عند الله. لأن الباعث على فعله كان شرا وهو نية القتل .. ومن سب آلهة الوثنيين، وكانت نتيجة فعله أن سبوهم الله ورسوله. فهو آثم، لأن سبهم الله ورسوله نتيجة لسبه آلهة الوثنيين.
ومهما يكن اعتبار الإمام احمد للذرائع والاستحسان والاستصحاب والمصالح: أأصول مستقلة هي، أم تدخل في باب القياس، فإن اعتماد احمد على هذه الضوابط قد وسع فقه، وجعله خصبا، غنيا، متحررا، متجددا أبدا، قادرا على مواجهة كل ما تطرحه الحياة على عقول المجتهدين والقضاة، حرصا على مصالح العباد. ويبدو هذا في فروع الإمام احمد وإجاباته على كثير من المسائل .. وفي كل ما عرف عنه من فتاوى وأحكام ..
وآراء الإمام احمد كانت في أكثرها إجابات عن مسائل، وهي إجابات كان فيها متبعا السنة وفتاوى الصحابة .. والسنة عنده تبيان للقرآن. وفي مسائل عديدة لم يجب الإمام احمد، لأنه لم يجد النص الذي يهتدي به، ولكنه لم يكن يسكت، بل يقول فيها كل أوجه الرأي. على أنه كان أحيانا يقول: "لا أدري .. سل غيري".
وقد ذكروا أمامه أن ابن المبارك سئل عن رجل رمى طيرا فوقع في أرض غيره لمن الصيد لصاحب الأرض أم للرامي؟ فقال ابن المبارك: "لا أدري". وسئل الإمام احمد عن رأيه في هذه المسألة: "فأجاب هذه دقيقة .. وما أدري فيها". وسأله رجل: حلفت بيمين ما أدري أي شيء هو، فقال ليت أنك إذا دريت أنت دريت أنا.
وفي اتباع الإمام احمد للسنة وآثار السلف قال: "ما أجبت في مسألة إلا بحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجدت السبيل إليه، أو عن الصحابة أو التابعين. فإذا وجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أعدل به إلى غيره. فإذا لم أجد فمن الخلفاء الأربعة الراشدين، فإذا لم أجد فمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأكابر فالأكابر. فإن لم أجد فمن التابعين ومن تابعي التابعين. وما بلغني عمل له ثواب إلا عملت به رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة".
من أجل ذلك ظل إلى آخر حياته يبحث عن الأحاديث، والآثار الصحاح من فتاوى الصحابة وأقضيتهم، حتى أحاديث الآحاد، والأحاديث الضعاف، إن ثبت عنده أنها صحيحة غير موضوعة .. والضعاف من الأحاديث في عرف ذلك الزمان، غيرها في عرف أهل هذا الزمان، فقد كانت الأحاديث في عصره إما صحاحا أو ضعافا .. فقد نفهم نحن أن الضعيف من الحديث هو المكذوب غير الصحيح أو المختلق، أما في عرف السلف فهو الحديث الذي ليس له سند قوي، ومنه الحديث الحسن!..
كان الإمام احمد إذا لم يجد ما يريد في الحديث، يلجأ إلى القياس الذي يصار إليه عند الضرورة مع توسعه في فهم القياس وتطبيقه. فأخذ بالمصلحة قياسا على مقاصد النصوص وروحها، ولا على نص بالذات، وتحرى حكمة النص بدلا من علته فحسب، أو لجأ إلى الاستحسان، وما إلى ذلك من أصول .. وقد سمعه بعض الناس يجادل فقيها آخر في بيته ويقول له: "إيش (أي شيء) أنتم؟ لا إلى الحديث تذهبون ولا إلى القياس ولا إلى استحسان. وما أدري إيش أنتم؟".
اعمل الإمام احمد فكره فاستنبط الأحكام من النصوص والآثار، وعن طريق القياس بمعناه الواسع فحوى المصالح والذرائع والاستصحاب .. ولجأ إلى الاستحسان. وفي الحق أنه كان متشددا في كل ما يتعلق بالعبادات والحدود التي هي قوام الدين، لأنه رأى البدع تسود والناس يترخصون، ويخرجون عن الدين، أما في المعاملات فقد اتخذ فيها مذهبا متحررا ميسرا، لأنه رأى أن الذين يستغلون الناس يضيقون عليهم باسم الدين، ورأى من الزهاد الذين يلبسون الصوف ويسمون أنفسهم بالصوفية، والفقراء، من يزين للناس ترك السعي، وحب الفقر، والرضا بالظلم وللقعود عن طلب العدل ..
وإجابات الإمام احمد عن المسائل، وفتاواه يظهر فيه تشدده في العبادات والحدود، وتيسيره في المعاملات. من ذلك أنه عندما فشت الفاحشة في عصره، وشاع الشذوذ الجنسي حتى أصبح أهل الشذوذ يجهرون ويتبجحون به، وأصبح لهم شأن في الدولة نشر الإمام احمد أن الصديق أبا بكر أمر بإحراق أهل الشذوذ، عندما أرسل إليه خالد بن الوليد أنه بعد أن فتح الشام وجد فيه أهل قرية يقترفون هذا المنكر، فأشار عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، بإحراقهم أسوة بقوم لوط.
ومن ذلك أنه رأى الولاة يتقبلون الهدايا، فروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه أحد عماله يحمل مالا كثيرا فاحتجز نصف المال وقال إنه له فقد أهدى إليه، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ المال كله للمسلمين، وحذرهم أن يقبل أحد منهم هدية إن تولى أمرا من أمور المسلمين وتساءل الرسول إن جلس أحدهم في بيت أبيه وأمه أكان يهدي إليه، أما أنه يهدي إليه لأنه تولى أمرا؟ فإن استحل مالا بهذه الطريقة فقد استحق النار..!
وتأسيسا على هذا الأثر أفتى الإمام احمد أنه لا يحق للقاضي أن يقبل هدية، ولا أي مستخدم في الدولة، ولا لمن يسعى في مصلحة لغيره عند السلطان أو أولي الأمر .. وأفتى بأن من زاد ماله وهو يلي منصبا، وجب عليه السلطان أن يأخذ نصف ماله فيرده على المسلمين.
ومن ذلك أن الإمام احمد رأى الناس قد قست قلوبهم، فأفتى بأنه لا يحق لأحد أن يحمل حيوانا فوق طاقته، وأن الكلب إذا حضر طعام أحد، فعليه أن يلقي إلى الكلب بشيء منه، وكان الناس قد فهموا منه أن ظل الكلب نجس، فسخر به بعض حساده، وما كان قد قال هذا قط، ولكنه أزرى بالأثرياء وأنكر عليهم أن يطعموا كلابهم أفخر الطعام، وفي الأمة من لا يجد طعامه إلا في المزابل، وقد لا يجده حتى في المزابل!!من أجل ذلك شهروا به!
على أن الإمام احمد نفسه جلس مرة يأكل رغيفا وما لديه طعام غيره، فجاء كلب فبصبص بذنبه .. فألقى إليه الإمام احمد باللقمة بعد اللقمة حتى تقاسما الرغيف!! .. والإمام احمد يرى في سؤر الكلب نجاسة، على غير ما رآه الإمام مالك الذي اعتمد على أية تحل أكل ما يصيده الكلب، فقال: "أحل لنا صيده فكيف يحرم سؤره؟" .. ولكن من رأى الإمام احمد كرأي غيره من الفقهاء والأئمة إلا الإمام مالك بن أنس أن الكلب إذا لعق الإناء وجب غسله بماء طاهر، سبع مرات عند بعض الأئمة، وحتى يطهر عند احمد وإن بلغت ثماني مرات أولاها بالتراب عند الجميع ..
ولم يجز احمد قتل الطير إلا لمصلحة أو حاجة، ولا دودة القز إلا لاستخراج الحرير. واعتمد الإمام احمد في هذا على الحديث الذي يحرم قتل العصفور إلا لمصلحة أو لحاجة. ومن ذلك أن الشرط في العقد الصحيح ما لم يخالف القرآن والسنة، وما لم يحلل حراما أو يحرم حلالا. وإن فللزوجة أن تشترط على زوجها ألا يتزوج غيرها. فإن خالف الشرط فسخ العقد ووقع الطلاق. ولها أن تشترط عليه ألا يسافر معها.
من ذلك أنه إذا هلك أحد من العطش أو الجوع في بلاد المسلمين، فكل أثرياء المسلمين آثمون، وعليهم الدية، وولي الأمر مسئول وعليه الدية .. وهي دية المقتول عمدا .. نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فمن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا. من تسبب في القتل قاتل وإن لم يقتل بيده، وإن لم يقصد القتل .. وقد أخذ هذا الحكم من قضاء للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .. فقد أدخلت فتاة في ليلة زفافها إلى بيتها شابا كانت تعشقه وأخفته، واكتشفه الزوج فقتله، فحكم الإمام على الزوجة الخائنة بالقتل، وعفا عن الزوج لأنه يدافع عن عرضه.
ـ ومن ذلك أن النية هي التي تكيف العقد وعلى هذا فزواج المحلل باطل.
ـ يجب نفي أهل الدعارة والمجون والفسق إلى مكان يؤمن فيهم شرهم القاعدون عن طلب الرزق اكتفاء بالعبادة، يجب إجبارهم على العمل لأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، وطلب الزهد فرارا من المشقة إثم، وترك المكاسب مع الحاجة إليها كسل.
ـ إذا حكم للمدعي بيمينه بشهادة شاهد واحد، ثم ثبت كذب الشاهد، فعليه الغرم كله، أي رد ما دفع للمدعي بغير حق، فإن كانا شاهدين تقاسما الغرم.
ـ لا يجوز الشراء ممن يرخص السلع لينزل الضرر بجاره، وعلى السلطان أن يمنعه من البيع. كذلك يطرد السلطان من السوق كل تاجر يرفع السعر ويضارب فيه .. فإذا تعدد التجار، وجب اقتلاعهم من السوق ومنعهم من التجارة.
ـ تمنع المضاربة على السعر نزولا أو صعودا لمن لا يريد أن يشتري.
ـ لا احتكار .. فالمحتكر ملعون.
ـ يمنع كل بيع فيه شبهة ربا، كالبيع للمدين، كمغالاة بعض التجار في الربح فهو ربا، وتحل مصادرة هذا المال، ورده بيت المال ومنع مقترف هذا العمل من الاتجار.
ـ أعمال السمسرة غير جائزة، والسلطان مسئول عن مطاردة السماسرة ورد أموالهم إلى المسلمين لأنه مكسب على حساب الغير بغير عمل ففيه شبهة القمار. وما كان الإمام احمد ليحرم أو يحلل صراحة بل كان يتورع عن هذا كغيره من الأئمة السابقين .. ويكتفي بأن يقول "أكره أو أحب" من ذلك أنه سئل عن بيع الماء فقال: "أكرهه" .. وهو يريد أنه حرام .. وسئل عن الخمر يستعمل كالخل فقال: لا يعجبني ..
ـ ومن ذلك جواز تحويل الدين وهو استيفاء للحق .. وهي ما تسمى حوالة الحقوق ..
ـ ومن ذلك أن الأصل في الأشياء الإباحة، فكل تصرف مباح حتى يثبت دليل المنع.
ـ ومن ذلك: إذا شك المطلق أنه طلق واحدة أو ثلاثا .. فهي طلقة واحدة لأن الحلال ثابت بالعقد فلا يزول بالشك.
ـ جواز إجبار المالك على أن يسكن في بيته من لا مأوى له، بأجر المثل إذا كان في بيته فراغ لا يحتاج إليه. والحكم ينطبق على صاحب الخان (الفندق).
ـ يجبر أصحاب السلع على بيعها بسعر المثل، فإذا امتنعوا، رفعهم السلطان من السوق وصادر أموالهم ورد نصفها إلى بيت المال.
ـ ومن امتنع عن أداء الزكاة، أو ماطل، أو لم يؤدها كاملة أخذت منه قسرا، وصودر ماله ورد نصفه إلى بيت المال.
ـ يمنع تلقي السلع قبل نزولها في الأسواق، لكيلا يتحكم تاجر أو عدد من التجار في السعر.
من وقع في معصية وعاجل بالتوبة حال تلبسه بها أو بعدها فهو معفو عنه، كمن يغتصب عقارا ثم يندم ويعترف ويخرج من العقار فهو في حال توبة، فيعفى عنه.
ـ وكان قد صح للإمام احمد من السنة والآثار عن الشروط في العقود ما لم يبلغ غيره من الأئمة من قبل. لذلك خالفهم جميعا في الشروط، فأجاز كل شرط في العقد ما لم يحرم حلالا أو يحلل حراما .. وتوسع الإمام احمد في ذلك حتى أجاز شرط الخيار في عقد الزواج، بحيث يكون لحد الطرفين حق الفسخ بعد مدة معينة فإذا مضت المدة ولم يفسخ، استمر العقد .. وفي رأيه أنه لا دليل من الشرع يمنع هذا الشرط، ثم إن حق الفسخ يمنع الخديعة، فإذا خالف الزوج الشرط فسخ العقد، وبمقتضى رأيه في الشروط أجاز للبائع أن يبيع ويحتفظ بحق الانتفاع مدة معينة، فله أن يشترط الإقامة بسكنه الذي يبيعه مدة معينة. وأجاز اشتراط البائع على المشتري أنه إذا أراد بيعه فهو للبائع بثمنه الذي تقاضاه من قبل. و أجاز أن يشترط البائع على المشتري البائع عليه ألا يستخدمها إلا في التسري فحسب، فلا تخدم ولا تقوم بعمل آخر، فقال أحمد: "لا بأس"
وإجابات الإمام احمد عن المسائل، وفتاواه يظهر فيه تشدده في العبادات والحدود، وتيسيره في المعاملات. من ذلك أنه عندما فشت الفاحشة في عصره، وشاع الشذوذ الجنسي حتى أصبح أهل الشذوذ يجهرون ويتبجحون به، وأصبح لهم شأن في الدولة نشر الإمام احمد أن الصديق أبا بكر أمر بإحراق أهل الشذوذ، عندما أرسل إليه خالد بن الوليد أنه بعد أن فتح الشام وجد فيه أهل قرية يقترفون هذا المنكر، فأشار عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، بإحراقهم أسوة بقوم لوط.
ومن ذلك أنه رأى الولاة يتقبلون الهدايا، فروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه أحد عماله يحمل مالا كثيرا فاحتجز نصف المال وقال إنه له فقد أهدى إليه، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ المال كله للمسلمين، وحذرهم أن يقبل أحد منهم هدية إن تولى أمرا من أمور المسلمين وتساءل الرسول إن جلس أحدهم في بيت أبيه وأمه أكان يهدي إليه، أما أنه يهدي إليه لأنه تولى أمرا؟ فإن استحل مالا بهذه الطريقة فقد استحق النار..!
وتأسيسا على هذا الأثر أفتى الإمام احمد أنه لا يحق للقاضي أن يقبل هدية، ولا أي مستخدم في الدولة، ولا لمن يسعى في مصلحة لغيره عند السلطان أو أولي الأمر .. وأفتى بأن من زاد ماله وهو يلي منصبا، وجب عليه السلطان أن يأخذ نصف ماله فيرده على المسلمين.
ومن ذلك أن الإمام احمد رأى الناس قد قست قلوبهم، فأفتى بأنه لا يحق لأحد أن يحمل حيوانا فوق طاقته، وأن الكلب إذا حضر طعام أحد، فعليه أن يلقي إلى الكلب بشيء منه، وكان الناس قد فهموا منه أن ظل الكلب نجس، فسخر به بعض حساده، وما كان قد قال هذا قط، ولكنه أزرى بالأثرياء وأنكر عليهم أن يطعموا كلابهم أفخر الطعام، وفي الأمة من لا يجد طعامه إلا في المزابل، وقد لا يجده حتى في المزابل!!من أجل ذلك شهروا به!
على أن الإمام احمد نفسه جلس مرة يأكل رغيفا وما لديه طعام غيره، فجاء كلب فبصبص بذنبه .. فألقى إليه الإمام احمد باللقمة بعد اللقمة حتى تقاسما الرغيف!! .. والإمام احمد يرى في سؤر الكلب نجاسة، على غير ما رآه الإمام مالك الذي اعتمد على أية تحل أكل ما يصيده الكلب، فقال: "أحل لنا صيده فكيف يحرم سؤره؟" .. ولكن من رأى الإمام احمد كرأي غيره من الفقهاء والأئمة إلا الإمام مالك بن أنس أن الكلب إذا لعق الإناء وجب غسله بماء طاهر، سبع مرات عند بعض الأئمة، وحتى يطهر عند احمد وإن بلغت ثماني مرات أولاها بالتراب عند الجميع ..
ولم يجز احمد قتل الطير إلا لمصلحة أو حاجة، ولا دودة القز إلا لاستخراج الحرير. واعتمد الإمام احمد في هذا على الحديث الذي يحرم قتل العصفور إلا لمصلحة أو لحاجة. ومن ذلك أن الشرط في العقد الصحيح ما لم يخالف القرآن والسنة، وما لم يحلل حراما أو يحرم حلالا. وإن فللزوجة أن تشترط على زوجها ألا يتزوج غيرها. فإن خالف الشرط فسخ العقد ووقع الطلاق. ولها أن تشترط عليه ألا يسافر معها.
من ذلك أنه إذا هلك أحد من العطش أو الجوع في بلاد المسلمين، فكل أثرياء المسلمين آثمون، وعليهم الدية، وولي الأمر مسئول وعليه الدية .. وهي دية المقتول عمدا .. نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فمن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا. من تسبب في القتل قاتل وإن لم يقتل بيده، وإن لم يقصد القتل .. وقد أخذ هذا الحكم من قضاء للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .. فقد أدخلت فتاة في ليلة زفافها إلى بيتها شابا كانت تعشقه وأخفته، واكتشفه الزوج فقتله، فحكم الإمام على الزوجة الخائنة بالقتل، وعفا عن الزوج لأنه يدافع عن عرضه.
ـ ومن ذلك أن النية هي التي تكيف العقد وعلى هذا فزواج المحلل باطل.
ـ يجب نفي أهل الدعارة والمجون والفسق إلى مكان يؤمن فيهم شرهم القاعدون عن طلب الرزق اكتفاء بالعبادة، يجب إجبارهم على العمل لأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، وطلب الزهد فرارا من المشقة إثم، وترك المكاسب مع الحاجة إليها كسل.
ـ إذا حكم للمدعي بيمينه بشهادة شاهد واحد، ثم ثبت كذب الشاهد، فعليه الغرم كله، أي رد ما دفع للمدعي بغير حق، فإن كانا شاهدين تقاسما الغرم.
ـ لا يجوز الشراء ممن يرخص السلع لينزل الضرر بجاره، وعلى السلطان أن يمنعه من البيع. كذلك يطرد السلطان من السوق كل تاجر يرفع السعر ويضارب فيه .. فإذا تعدد التجار، وجب اقتلاعهم من السوق ومنعهم من التجارة.
ـ تمنع المضاربة على السعر نزولا أو صعودا لمن لا يريد أن يشتري.
ـ لا احتكار .. فالمحتكر ملعون.
ـ يمنع كل بيع فيه شبهة ربا، كالبيع للمدين، كمغالاة بعض التجار في الربح فهو ربا، وتحل مصادرة هذا المال، ورده بيت المال ومنع مقترف هذا العمل من الاتجار.
ـ أعمال السمسرة غير جائزة، والسلطان مسئول عن مطاردة السماسرة ورد أموالهم إلى المسلمين لأنه مكسب على حساب الغير بغير عمل ففيه شبهة القمار. وما كان الإمام احمد ليحرم أو يحلل صراحة بل كان يتورع عن هذا كغيره من الأئمة السابقين .. ويكتفي بأن يقول "أكره أو أحب" من ذلك أنه سئل عن بيع الماء فقال: "أكرهه" .. وهو يريد أنه حرام .. وسئل عن الخمر يستعمل كالخل فقال: لا يعجبني ..
ـ ومن ذلك جواز تحويل الدين وهو استيفاء للحق .. وهي ما تسمى حوالة الحقوق ..
ـ ومن ذلك أن الأصل في الأشياء الإباحة، فكل تصرف مباح حتى يثبت دليل المنع.
ـ ومن ذلك: إذا شك المطلق أنه طلق واحدة أو ثلاثا .. فهي طلقة واحدة لأن الحلال ثابت بالعقد فلا يزول بالشك.
ـ جواز إجبار المالك على أن يسكن في بيته من لا مأوى له، بأجر المثل إذا كان في بيته فراغ لا يحتاج إليه. والحكم ينطبق على صاحب الخان (الفندق).
ـ يجبر أصحاب السلع على بيعها بسعر المثل، فإذا امتنعوا، رفعهم السلطان من السوق وصادر أموالهم ورد نصفها إلى بيت المال.
ـ ومن امتنع عن أداء الزكاة، أو ماطل، أو لم يؤدها كاملة أخذت منه قسرا، وصودر ماله ورد نصفه إلى بيت المال.
ـ يمنع تلقي السلع قبل نزولها في الأسواق، لكيلا يتحكم تاجر أو عدد من التجار في السعر.
من وقع في معصية وعاجل بالتوبة حال تلبسه بها أو بعدها فهو معفو عنه، كمن يغتصب عقارا ثم يندم ويعترف ويخرج من العقار فهو في حال توبة، فيعفى عنه.
ـ وكان قد صح للإمام احمد من السنة والآثار عن الشروط في العقود ما لم يبلغ غيره من الأئمة من قبل. لذلك خالفهم جميعا في الشروط، فأجاز كل شرط في العقد ما لم يحرم حلالا أو يحلل حراما .. وتوسع الإمام احمد في ذلك حتى أجاز شرط الخيار في عقد الزواج، بحيث يكون لحد الطرفين حق الفسخ بعد مدة معينة فإذا مضت المدة ولم يفسخ، استمر العقد .. وفي رأيه أنه لا دليل من الشرع يمنع هذا الشرط، ثم إن حق الفسخ يمنع الخديعة، فإذا خالف الزوج الشرط فسخ العقد، وبمقتضى رأيه في الشروط أجاز للبائع أن يبيع ويحتفظ بحق الانتفاع مدة معينة، فله أن يشترط الإقامة بسكنه الذي يبيعه مدة معينة. وأجاز اشتراط البائع على المشتري أنه إذا أراد بيعه فهو للبائع بثمنه الذي تقاضاه من قبل. و أجاز أن يشترط البائع على المشتري البائع عليه ألا يستخدمها إلا في التسري فحسب، فلا تخدم ولا تقوم بعمل آخر، فقال أحمد: "لا بأس"ر
عالي الهمة
10-11-2006, 08:11 AM
شكراً لك اخي الكريم
ـ جواز البيع من غير تحديد الثمن، إذا اتفق المتعاقدان على سعر السوق عند التسليم دون مساومة. ويسمى بقطع السعر. وما في الكتاب ولا في السنة ولا في آثار الصحابة ما يحرم هذا، فهو على قاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة.
ـ يجب التشدد في الطهارة .. فالمضمضة والاستنشاق من فرائض الوضوء وهي عند غيره من الأئمة سنة.
ـ من ولي أمرا من أمور المسلمين فاحتجب عنهم في داره جاز حرقه .. فقد احتجب سعد بن أبي وقاص وراء الباب عن الناس في قصره وهو أمير بالكوفة، فأرسل إليه الخليفة عمر بن الخطاب من أحرق عليه قصره.
ـ للمار بثمر غيره أن يأكل حتى يشبع ما لم يكن على الثمر سور أو حارس .. ولكن لا يجوز للمار أن يحمل من الثمر.
ـ للرجل أن يشهد على امرأته بالزنا ويقسم اليمين دون حاجة إلى أربعة شهداء، إذا رأى رجلا يعرف بالفجور يدخل إليها ويخرج. وتعاقب الزوجة بحد الزنا.
ـ للمرأة إذا تزوج عليها زوجها أن تطالبه بمؤخر صداقها وإن لم تطلق.
ـ البينة التي تثبت الحق لصاحبه ليست محصورة في أشكال أو صيغ، بل هي كل ما يبين به الحق، من الأمارات والأدلة، فلو تنازع الساكن ومال المسكن على شيء نفيس مخبأ في المسكن، فالشيء لمن وصفه منهما وصفا دقيقا منضبطا، وإن حلف الآخر وجاء بالشهود.
ـ لا يتحقق السجود في الصلاة إلا بأن تمس الأنف الأرض، وذلك من تمام شعور العابد بالعبودية (والأرض هي ما يصلي عليه العابد مجردة أو مفروشة).
ـ تغسل النجاسة بماء طاهر حتى يزول كل أثارها، وأقل ما تغسل به النجاسة سبع مرات، إذا شك المتوضئ في طهارة الماء، تركه وتيمم.
السنة في الصلاة أن يخفف الإمام فلا يطيل رعاية لحال المأمومين، وتكره إمامة من لا يرضى عنه أكثر المصلين.
ـ الأذان في الصلاة يجب أن يكون باللغة العربية (وقد أجاز غيره من الفقهاء أن يكون بغيرها). وكذلك الصلاة.
ـ السنة في الصيام هي الفطر في السفر. والفطر في الغزو أحرى. وقد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم للفتح في رمضان، فأفطر بعد صلاة العصر، وشرب على راحلته ليراه الناس وقال: "تقوا لأعدائكم" ..
ـ طاعة الوالدين فريضة، وهي جزء من الإيمان، وقد جعلها الله بعد التوحيد، "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا" فمعصية الوالدين أو الإساءة إليهما كالشرك به تعالى بهذا نزل القرآن وعليه نصت الأحاديث الشريفة، ورعاية الأم أولى كما جاء في الحديث. وقد سمع الرسول صلى الله عليه وسلم قصة زاهد شغلته العبادة عن الرد على أمه وكانت في حاجة إليه، فأصابها أذى، فعقب الرسول على سلوك العابد بأنه لو خرج من صلاته، وأجاب أمه، لكان أحب إلى الله تعالى وأقرب. وقد روي الإمام احمد عن الصحابة والتابعين أنه إذا استأذن ولد والدته للخروج مجاهدا في سبيل الله، فأذنت له، وعلم أن هواها في المقام، فليقم. وقال الإمام احمد لطالب في حلقته تريده أمه على التجارة، وهو يريد العلم: "دارها وأرضها ولا تدع الطلب".
ـ يجوز للأب أن يفضل أحد ولده بالهبة إذا كان هذا الولد في حاجة بسبب العجز عن الكسب لانقطاعه للعلم، أو لعاهة به، أو لكثرة عياله.
ـ الأحكام يجب أن توفق بين الظاهر والباطن، فيؤخذ بالظاهر إذا كان الحال في غنى عن البينة لأن الأمارات القوية تؤيده أو كان بينة في ذاته. كأن يظهر الحمل على امرأة ليس لها زوج، أو كان يشاهد رجل يجري وفي يده عمامة، وعلى رأسه عمامة أخرى، يطارده رجل آخر بلا عمامة!
لا يؤخذ بالظاهر على إطلاقه، فقد يثبت أنه يجافي الحقيقة. فقد حدث أن جاءت امرأة تخاصم زوجها، فأرسلت عينيها وبكت، فقال أحد القوم: "مهلا" فإن أخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون.
وحدث في عهد عمر بن الخطاب رضي الله أن امرأة بالمدينة أحبت شابا من الأنصار، ولكنه لم يطعها فيما تريد، فجاءت ببيضة وألقت صفرتها، وسكبت البياض على فخذيها وثوبها، ثم جاءت إلى الخليفة عمر صارخة فقالت: "إن هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني. وهذا أثر فعاله". فسأل عمر النساء فقلن له: "إن ببدنها وثوبها آثار الرجل". فهم بعقوبة الشاب، فأخذ يستغيث ويقول: "يا أمير المؤمنين تثبت في أمري. فوالله ما أتيت فاحشة ولا هممت بها، فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت". فنظر عمر إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقال: "يا أبا الحسن ما ترى في أمرها". فنظر علي إلى ما على الثوب، ودعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجمد البياض، وظهرت رائحة البيض، فزجر الخليفة أمر المؤمنين عمر رضي الله عنه المرأة فاعترفت، وعاقبها.
ومن رأي الإمام احمد أنه لا يؤخذ بالظاهر على إطلاقه حتى إذا اعترف المذنب. وقد روي أنه حدث في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن أتى برجل وجد في خربة بيده سكين ملطخ بالدم وبين يديه قتيل يتشحط في دمه. فسأله أمير المؤمنين فقال: "أنا قتلته". فقال: "اذهبوا به فاقتلوه". فلما ذهب به أقبل رجل مسرعا، فقال: "يا قوم لا تعجلوا. ردوه إلى علي". فرده. فقال الرجل: "يا أمير المؤمنين. ما هذا صاحبه. أنا قتلته" فقال علي للأول: "ما حملك على أن قلت أنا قاتله ولم تقتله؟".
قال: "يا أمير المؤمنين، وما أستطيع أن أصنع، وقد وقف العسس على الرجل يتشحط في دمه، وأنا واقف، وفي يدي سكين وفيها أثر الدم وقد أخذت في خربة؟ فخفت ألا يقبل مني، فاعترفت بما لم أصنع، واحتسبت نفسي لله". فقال علي: "بئسما صنعت! فكيف كان حديثك؟". فقال الرجل إنه قصاب ذبح بقرة وسلخها، وأخذه البول فأسرع إلى الخربة يقضي حاجته والسكين بيده، فرأى القتيل فوقف ينظر إليه فإذا بالشرطة تمسك به، وأما القاتل فاعترف بأن الشيطان زين له أن يذبح القتيل ليسرقه ثم سمع خطو أقدام فاختفى في الظلام، حتى دخل القصاب فأدركه العسس فأمسكوا به ولما رأى الخليفة أمر بقتل القصاب، خشي أن يبوء بدمه فاعترف. وأخلى على سبيل القاتل لأنه إن كان قد قتل نفسا، فقد أحيا نفسا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا". وأخرج الدية من بيت المال.
وكان الإمام يستشهد في أحكامه بالأخبار والقصص، ففيها عبرة لأولي الألباب كما قال الله تعالى. وكان يطلب من تلاميذه أن يكثروا من قراءة القصص ليعتبروا.
ومما رواه من قصص تؤيد رأيه في عدم الأخذ بالظاهر على إطلاقه، أن امرأة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم اغتصبها رجل وهي في الطريق إلى المسجد لصلاة الفجر، فاستغاثت برجل مر عليها، وفر المغتصب، ومر نفر وهي ما تزال تصرخ فأدركوا الرجل الذي كانت قد استغاثت به، فأخذوه وجاءوا به إليها، فقال الرجل: "أنا الذي أغثتك وقد فر الآخر" فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنه وقع عليها وشهد عليه القوم. فقال: "إنما كنت أغيثها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني" فقالت: "كذب. هو الذي وقع علي". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انطلقوا به فأرجموه". فقام رجل فقال: لا ترجموه وارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل. فقال القوم: "يا رسول الله ارجمه" فقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل الله منهم"
ـ يفضل الإمام احمد للمسلمين أن يغزوا تحت قيادة القوى وإن كان فاجرا، على الضعيف وإن كان صالحا ويقول: "أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره لنفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوى الفاجر جلبا للمصلحة العامة
لا يحبس المدين في دين. فلم يحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في دين قط، ولا الخلفاء الراشدين من بعده، وقد قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضى الله عنه "الحبس في الدين ظلم". وكذلك لا يحبس الزوج في مؤخر الصداق، ولم يحبس الرسول ولا أحد من الخلفاء الراشدين زوجا في مؤخر صداق أصلا. ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من بعد لامرأة بصداقها المؤخر، إلا أن يفرق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقها". كما جاء في رسالة الليث إلى مالك. فالأمة مجمعة على أن المرأة لا تطالب به قبل أجله بل هو كسائر الديون المؤجلة فليس لها حق فيه إلا الموت أو الطلاق أو الزواج بغيرها .. ولا تقوم مصلحة الناس إلا بهذا. ويضيف الإمام احمد في ذلك: "من حين سلط النساء على المطالبة بالصدقات المؤخرة (أي مؤخر الصداق)، وحبس الأزواج عليها، حدث من الشرور والمفاسد ما الله به عليم. وصارت المرأة إذا أحست من زوجها بصيانتها في البيت، ومنعها من البروز والخروج من منزله والذهاب حيث شاءت، تدعي بصداقها وتحبس الزوج عليه، وتنطلق حيث شاءت. فيبيت الزوج ويظل يتلوى في الحبس، وتبيت المرأة فيما تبيت فيه!" ..
ـ كل أنواع المعاملات مباح إلا ما يحظره نص أو القياس على نص، وكل العقود واجبة الوفاء إلا إذا قام دليل شرعي على المنع. وكل ما احتاج إليه الناس في معايشهم ولم يكن سببه معصية لم يحرم عليهم، لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد. ولا يشترط لانعقاد العقد أي شكل أو صيغة بل ينعقد بالنية والإفصاح عنها. وبعض العقود لا يثبت إلا بالكتابة. وقد ينعقد العقد بممارسة الفعل أو بما يقتضيه العرف. كالعقد مع صاحب الخان (الفندق) أو صاحب الحمام، ينعقد بدخول المكان ورضا صاحبه. وأكثر تصرفات التجارة قائم على العرف. ولكن النية والقبول يجب ألا يعيب أيهما شيء، فأساس المعاملات الرضا، وكل ما يشوب الرضا يفسد التعاقد، إكراها كان أم خديعة أم غشا أم تدليسا أم غبنا.
وقد حدث في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن تزوج شيخ كبير يخضب بالسواد بفتاة شابة حسناء وبعد حين ظهر البياض على شعر الزوج ولحيته، فكرهته العروس وقالت إنها خدعت بشبابه .. وما هو بشاب. وشكاه أهلها إلى عمر قائلين: "حسبناه شابا". فضربه عمر ضربا موجعا وقال له. "غررت بالقوم". وفرق بينهما.
ـ الغاية ترتبط بالوسيلة المؤدية إليها، وترتبط المقدمة بالنتيجة، فما هو سبيل إلى المباح مباح، وما هو وسيلة إلى المحظور محظور، وإذا فسدت إحداهما فسدت الأخرى، فإثبات الحق مباح بل هو مطلوب، على ألا تكون الوسيلة محظورة كشهادة الزور.
وتستثني من القاعدة حالات الضرورة أو الحاجة .. فيجوز للطبيب الإطلاع على عورة المريضة لعلاجها وإنقاذ حياتها.
ـ من الواجب توفير كل ما فيه صلاح الناس، وفتح الطريق للتوبة وإصلاح ذات البين وصيانة كيان الأسرة.
وروى احمد: "جاءت إلى علي بن أبي طالب" امرأة فقالت: "إن زوجي وقع على جارتي بغير أمري". فقال للرجل: "ما تقول؟". قال: ما وقعت عليها إلا بأمرها. فقال: "إن كنت صادقة رجمته (بالزنا) وإن كنت كاذبة جلدتك الحد (للقذف). "وإقيمت الصلاة فقام أمير المؤمنين علي يصلي وفكرت المرأة فلم تر لها فرجا في أن يرجم زوجها، ولا في أن تجلد فولت هاربة ولم يسأل عنها أمير المؤمنين".
وقد قيل للإمام احمد "فلان يشرب". فقال: "هو أعلمكم شرب أم لم يشرب". وقال عن جماعة من العلماء يشربون النبيذ: "تلك سقطاتهم لكنها لا تذهب حسناتهم".
على القادر أن ينفق على كل ذوي الأرحام الفقراء قربوا منه أو بعدوا. وعلى الموسرين من المسلمين أن يخرجوا من أموالهم إلى بيت المال صدقات، حتى لا يكون في أرض الإسلام صاحب حاجة مسلما كان أم غير مسلم.
ـ يجب على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا أمر لا تختص به جماعة منهم، بل هو فرض على الجميع، ويجب اتباع الحسنى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكما جاء في الحديث الشريف: "كل من رأي سيئة فسكت عليها فهو شريك في تلك السيئة". على أن يكون النصح يقول التي هي أحسن. والمسلمون مطالبون شرعا إذا كلم بعضهم بعضا بأن يقولوا التي هي أحسن "فرب حرب أهاجها قبيح الكلام". فإن لم يتحدثوا بالحسن من القول، وقعوا في المعصية بمخالفتهم قوله تعالى: "قل لعبادي يقولوا التي هي احسن. إن الشيطان ينزع بينهم".
بهذا الفقه خالف الإمام احمد في كثير من المسائل كل من سبقه من الأئمة وبصفة خاصة الإمامين أبا حنيفة ومالك بن أنس .. ولكنه كان أكثر اقتداء بالشافعي في مذهبه المصري الذي تأثر فيه بالإمام الليث بن سعد. على أن الإمام احمد اختلف مع الشافعي اختلافا كاملا في الأخذ بالاستحسان وفي شروط العقود، فقد وقع لأحمد من الحديث والآثار ما لم يقع للشافعي، وقد صح نظر الشافعي حين قال لأحمد هو ومن معه من أهل الحديث: "أنتم أعلم بالحديث والأخبار مني فإن كان صحيحا فأعلموني".
سار الإمام احمد في أكثر اجتهاده على طريق الإمام الشافعي، حتى لقد رفض الإمام الطبري اعتبار ابن حنبل فقيها أو مجتهدا، وعده متبعا وراوية للحديث ومقلدا! .. وقد خوطب الإمام احمد في التزامه طريق الشافعي فقال: "لم نكن نعرف الخصوص ولا العموم حتى ورد الشافعي، وكان الفقه قفلا ففتحه الشافعي. وهو فيلسوف في أربع في اللغة واختلاف الناس والمعاني والفقه".
تابع الإمام احمد طريقه: فهو يجيب على المسائل، ويعلم التفسير والحديث، ويرجع ما جمع من الأحاديث ويراجع ما جمع من الأحاديث، وفي مراجعاته لما حفظ وجمع من أحاديث، حذف كل ما حفظه عن عالم ذي مكانة من أهل الحديث، لأنه شتم معاوية بن أبي سفيان وأرسل إليه احمد بذلك .. فعجب المحدث لأنه يعرف أن احمد بن حنبل يرى معاوية من أهل البغي امتحن ببغيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه!!
إن احمد وصاحبه حفظا الأحاديث معا من شيخهما عبد الرازق في اليمن، ولقد سمعاه معا يشتم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه .. وعثمان افضل من معاوية!! .. وإذن فما ينبغي لابن حنبل، أن يروي الأحاديث الكثار التي حفظها عن شيخهما عبد الرازق! أرس المحدث إلى صاحبه احمد يذكره بذلك لكه! ..
فلم يشأ الإمام احمد أن يحاور صاحبه، فقد شغله فقهه، واستنفره غلبة أصحاب الكلام على قصر الخليفة وعلى الحياة الفكرية، فشدد النكير عليهم، وشرع يهاجمهم في حلقاته العامة بالمسجد، وأخذ يحذر منهم طلابه ومريدي حلقته قائلا: "لا نكاد نرى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه رغل (أي فساد)". ولم يتهيب أصحاب الكلام هجوم احمد، بل مضوا يحاجون في القضية التي كانت تضنيهم منذ زمن بعيد وهي قضية خلق القرآن.
والقضية ليست بنت العصر .. ولكن أصحاب الكلام من المعتزلة أثاروها من قبل في عصر بني أمية، وأصابهم منها عنت شديد وعذاب عظيم! فقد بدأ المعتزلة في حكم هشام بن عبد الملك يتكلمون في حرية الاختيار وفي البيعة والشورى، فهزموا أركان السلطان! ..
ثم تكلموا في خلق القرآن. فانتهز الحاكمون الفرصة، واتهموا أصحاب هذا الرأي بالكفر .. ولم يجادلوهم في غيره من الآراء. وقبضت الدولة على أول من قال بهذا الرأي وهو "الجعد بن درهم". فحبس وعذب في فجر عيد الأضحى .. وخطب والي العراق في الناس العيد وقال في آخر خطبته: "انصرفوا وضحوا تقبل الله منكم، فإني أريد أن أضحي اليوم بالجعد ابن درهم". ونزل من على المنبر فذبح الجعد كما تذبح الأضحية!!
ثم إن حكام بني أمية طاردوا المعتزلة والمتكلمين بتهمة الكفر، وأثاروا عليهم العامة، حتى جاء وقت لم يستطع فيه مفكر منهم أن يجهر بفكره .. ولكن هذا الفكر استعرونما تحت المطاردة والاستبداد، كما عاش وميض نار الثورة على بني أمية تحت الرماد، حتى أصبح له ضرام، وقوده جثث وهام!
وإذ سقطت دولة بني أمية وخلفها بنو العباس، ظهر المعتزلة بفكرهم واهتموا أكثر ما اهتموا بالقضية التي ذبح أول من أثارها والتي لاقوا النكال في سبيلها وهي قضية خلق القرآن!. وكان بوسع الإمام احمد أن يشهر بهؤلاء، فقد دعي إلى عشاء عند أحدهم ووجد في داره كثيرا من الفقهاء يشربون وقد بلغ بهم السكر مبلغه .. وأمامهم ترقص الإماء ويغنين عاريات، فخرج احمد من المكان، وعندما سئل من غده عما رأى لم يقل شيئا، وقيل له أن مخالفيه كانوا سكارى، لم ينطق ذلك أنه وهب نفسه للعلم ونأى بنفسه عن السياسة، وأخذ الخصوم بعوراتهم!
ولكنه ما كان يستطيع أن يبعد .. فالسياسة هي فن الحياة وهي "ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي. وعلوم الدين ترسم ملامح المجتمع الذي أراده الشارع الحكيم بما نفهمه من روح النصوص. فسر الإمام احمد قوله تعالى في سورة النور: "وأتوهم من مال الله الذي أتاكم" بقوله تعالى في سورة الحديد: "آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا له أجر كبير".
فالأغنياء مستخلفون فيما يملكون ولا ينبغي أن يقول الواحد منهم "هذا ملكي" بل عليه أن يقول: "هذا ملك الله عندي" .. وإذن فللمال وظيفة اجتماعية ، وإنفاق المال للصالح العام واجب شرعي، جعله الله جزاء من الإيمان .. من أجل ذلك حرم الله الربا، واعتبر المرابين كفارا، وحرم الرشوة: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون، وحرم كل أنواع الكسب بلا عمل، وحرم الوساطة في التجارة والصفقات (أي السمسرة). أو العمولة بلغة العصر!
ثم إن الإمام احمد أخذ يعلم الآلاف الذين يرتادون حلقته أن الذين يستغلون مواقعهم ليكسبوا بغير الحق لهم الويل كل الويل وكان أنذرهم بذلك من قبل، فرفضوا قوله لأنهم حبسوه من اجتهاده، ولكنه روى حديثا صحيحا قوي الإسناد محقق الثبوت..: "أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه أحد الولاة فقسم ما جمع من مال قسمين ثم قال للنبي عليه الصلاة والسلام: هذا لكم وهذا أهدي إلى فغضب النبي وقال يخطب في الناس (أما بعد .. فإني استعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم وهذه أهديت إلى. فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدي إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد فيه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، وكان أبو ذر الغفاري حاضرا فقال للرجل: لا تحزن. إن الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يسعى من لا يقين له. اذهب اعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم).
وروى احمد عن السلف الصالح أن عمر بن الخطاب خصص أرضا إلى جوار المدينة، جعل كلأها لماشية الفقراء وحرمها على أنعام الأغنياء وقال: "إن تهلك ماشية الغني يرجع إلى ماله وإن تهلك ماشية الفقير يأتني بأولاده متضورا طالبا الذهب والفضة، فبذل العشب اليوم أيسر علي من بذل الذهب والفضة يومئذ". ثم أخرج الإمام الأحاديث الشريفة التي تأثم الاحتفاظ بالمال وفي الأمة فقيرا.
وتحرز في رواية آثار علي بن أبي طالب التي تحكي عن جهاده في إعادة توزيع ثروة الأمة، وأخذ ما فاض عن حاجة الأغنياء ورده على الفقراء .. تحرز الإمام احمد في ضرب الأمثال بسيرة علي بن أبي طالب عندما كان أميرا للمؤمنين، وفي اختياره لدار الخلافة بيتا في الكوفة هو من أدنى بيوت الفقراء، ليضرب الأمثال لأولياء الأمر في عصره ومن بعده .. تحرج الإمام احمد من الحديث عن سيرة الإمام علي لكيلا يجدوا عليه سبيلا فيتهموا احمد ابن حنبل شيخ أهل السنة بأنه شيعي .. ويثور عليه أمراء البيت العباسي الحاكم!..
وعلى الرغم من تحرزه، أوغرت فتاواه وآراؤه صدور هؤلاء الحكام .. وتربصوا به، وزعموا أنه بما يفسر من آيات، وبما يخرج من أحاديث، وبما يرى من آثار الصحابة، إنما يثير الفقراء ضد الأغنياء، ويهين الصوفية ويحرض العامة على الخاصة!!. وأغروا به بعض المنافقين ليجرحوه! .. ولكنهم ما كانوا لينالوا منه .. فقد عرف الناس من هو الإمام احمد!! .. وما يزال في أعماق احمد جراح من قصة الفتاة التي كانت تبحث عن القوت في مزبلة قومها، وعلى مقربة منها ينثر الدر والذهب لتمشي عليه المحظيات .. وعلماء يمجدون الفقر ويدعون إليه الأمة!!
ثم جاء عصر المأمون ..
وقد استولى المأمون على الحكم بعد معركة مريرة مع أخيه الأمين. ذلك أن الرشيد استخلف ابنه الأمين، وهو ابنه من زوجته العباسية بنت عمه زبيدة، وأوصى بولاية العهد من بعد الأمين للمأمون، وهو ابن الرشيد من جارية فارسية. ولم يكد الأمين يتولى الخلافة، حتى عزل أخاه المأمون من ولاية العهد مستنهضا التعصب العربي ضد الموالي ومنهم الفرس. وأيد الأمين في هذا عدد من فقهاء بغداد من أهل السنة .. إلا احمد ابن حنبل شيخ أهل السنة، فقد كان لا يعني بغير العلم!
وخرج المأمون على أخيه الأمين بالسيف، وغلبه، وقتل الأمين، وأصبح المأمون هو أمير المؤمنين. وكان الأمين والمأمون على طرفي نقيض: فالأمين يعتمد على نسبه الهاشمي أبا وأما، فحسبه هذا النسب!. أما المأمون فقد عرف أنه يجب أن يعتز بنفسه لا بنسبه، ومن أجل ذلك حرص على أن يتعلم ويتثقف، وقد كان معلمه يضربه وهو صغير فلا يشكو، على نقيض الأمين الذي كان مدللا من معلمه ومن الحاشية، لاحظ له من الثقافة، ولا هم له إلا التوفر على المتاع الذي تقدمه له حاشيته! ..
كان المأمون واسع الثقافة، يولع بالفقه وآداب اللغة والفلسفة وعلوم الطبيعة والطب والفلك والرياضيات .. ويدرس معطيات كل الثقافات .. فشجع على نقلها إلى العربية عندما أصبح خليفة ..
ونظر المأمون في أمر الدولة فوجد أن الصراع يكاد يمزقها: صراع بين العلويين والعباسيين، وبين أصحاب الفرق من أهل السنة، وأهل الرأي، والمعتزلة وغيرهم من الفرق .. ووجد أن بعض أفراد أهل البيت المالك يشتطون في ظلم الرعية مهددين كل شيء، فيعشق أحد كبارهم امرأة حسناء متزوجة، ويحاول، تطليقها وحين يرفض زوجها أن يطلقها، يرسل الهاشمي الكبير من يخفونها من زوجها عنوة، ويغتصبونها قبل أن يهدوها إليه!
ويعجب رجل آخر منهم بغلام مليح فيخطفه من أبيه وأمه، ويضعه أمامه على الحصان ويطير به إلى بيته! .. وهذان الرجلان من أهل البيت المالك العباسي يصنعان هاتين الفاحشتين بامرأة وغلام من أهل مكة والمدينة ولا يجدان أدنى مقاومة! .. أما بغداد . فما أبشع ما يغشاها من فساد .. وإلى جوار هذا كله ينتفض فكر عظيم يعيشه فقهاء البلاد، ومثقفون شرفاء يعانون من غاشية الظلم والفحشاء! ..
والدولة تتسع، وقد خلف هارون الرشيد ملكا عظيما ضم أكثر بلاد الدنيا، حتى أصبح الرجل في أي مكان في العالم لا يعتبر مثقفا أو متحضرا، إلا إذا أتقن اللغة العربية..! ثم إن المظالم التي كابدا الناس فجرت الثورات، فقامت في أطراف الدولة ثورات تطالب بالمساواة في كل شيء وتطرفت حتى طالبت بشيوع النساء!! كما حدث في الأطراف الشرقية، وقامت ثورات أخرى تطالب باحترام تعاليم الإسلام كثورة أهل مصر!!
والخلافات الفقهية والفكرية تستعر حتى للتحول إلى عداء! وبعض العلويين ينهضون مطالبين بحقهم في الإمامة والخلافة!. ونفر من المتشددين يقطعون الطريق على أهل البدع، ويضربون لاعبي الشطرنج، أهل الطرب، ومن يلبس الحرير أو الذهب، ويريقون الخمور، ويحطمون آلات الغناء!! كان على المأمون أن يواجه هذا كله .. وأن يرفع مظالم أسلافه من الخلفاء، وبصفة خاصة مظالم أربعة سنوات حكمها أخوه الأمين، الذي ترك أمور الدولة لحاشية فاسدة، أغرقته في الملذات، حتى لقد حارب معركته الأخيرة التي قتل فيها وهو سكران يجرع الخمر من قدح ذهبي يسع أربعة أرطال..
ورأى المأمون أن أخطر ما يهدد الدولة هو سلطان قادة البيت العباسي .. والصراع بين العلويين والعباسيين، والخلاف بين الفرق المختلفة. أما الثورات في الأطراف، فقد أنفذ إليها جيوشا يقمعها. ثم رأى أن يوفق بين أبناء العمومة من شيعه علويين وعباسيين، فنظر فيمن يوليه العهد ليكون خليفة من بعده، فلم يجد أحكم ولا أتقى من الإمام علي بن موسى وهو إمام الشيعة.
وأخذ يضرب رؤوس الفساد في البيت المالك العباسي ممن يخطفون الزوجات والغلمان ويستغلون قرابتهم من السلطان لابتزاز الأموال، أو لإرهاب الناس. وأمر بأن يغلي السواد من أعلام الدولة وهو شعار العباسيين، ليحل بدلا منه اللون الأخضر شعار العلويين. وحاول أن يرد بعض أموال الأغنياء إلى الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات ..
وثار عله العباسيون وأغنياء الدولة واجتمعوا في بغداد، وكان هو ما يزال بعيدا عنها، فخلعوه وأفتى عدد كبير من فقهاء السنة بأن المأمون خارج على الإسلام، وبايعوا بدلا منه إبراهيم بن المهدي وهو أحد كبار المغنين والمحنين. وبايعه الذين كانوا يكسرون آلات الغناء، ويضربون المغنين والمغنيات!! وزحف المأمون على بغداد، وحين أوشكت أن تستسلم، اختفى إبراهيم ابن المهدي، وتسلل إليه الذين خلعوه نم قبل، فبايعوه! ودخل المأمون بغداد، فخضع له الجميع! وعفا عنهم إلا قليلا منهم، قتلهم وصلبهم على أبواب بغداد مدينة السلام!
وكان ولي عهده علي بن موسى، قد مات من قبل فجأة في ظروف مشبوهة! .. وقيل إن أعداء الشيعة دسوا له السم في الطعام!. أما احمد بن حنبل فقد ظل بعيدا عن كل هذا المضطرب، مشغول القلب بعلمه وفقه، لا يراه الناس إلا في حلقته يعلم الناس ويجيب على المسائل. وحين دخل المأمون بغداد واستقر بها، أسرع بترجمة كل ما لم يترجم بعد من الثقافات والحضارات الأخرى ورصد لذلك أموالا طائلة، واستعان بمثقفين مسيحيين ويهود. وإذ أمر بترجمة ما عند اليونان والمصريين، واتهموه بأنه يروج للوثنية، ففي ذلك التراث الحضاري كلام عن الآلهة المتعددين..!
من أجل ذلك توقف المأمون عن ترجمة المسرح المصري والأدب المصري القديم، فضاعت آثاره، إذ لم يجد من يترجمه من بعد. وتوقف عن ترجمة المسرح اليوناني والأدب اليوناني، ولكن هذا التراث وجد من الأوربيين من ينقله عبر الأجيال .. كان نفر من أهل السنة في بغداد يلعنون الفلسفة والمنطق، وكل ما لم يعرفه السلم من معارف وعلوم .. ولكن المأمون شجع هذه العلوم والمعارف، ومنح تلاميذ جابر بن حيان تلميذ الإمام الصادق كل ما يريدون من أموال ومعامل ليطوروا علم الكيمياء.
واعتبر بعض أهل السنة هذا العلم شعوذة وبدعة، وشجعهم على ذلك أن نفرا من المشتغلين بالكيمياء، أخذوا يعملون لتحويل بعض المعادن الخسيسة إلى الذهب النفيس..! ثم إن الصراع احتدم حول خلق القرآن بين المعتزلة وأهل السنة. وما كان الإمام احمد بن حنبل على صلة بكل هذا المضطرب، واكتفى بأن يحض الناس على أن يهتموا من الدين بما فيه نفع للناس، وبما يقيم المجتمع الأمثل.
وجد المأمون أن الفتنة توشك أن تنفجر بين أهل السنة والمعتزلة، وكان هو نفسه يدين بآراء المعتزلة، وبصفة خاصة بطرائقهم الفلسفية وباستخدامهم المنطق في مجادلة الملحدين والزنادقة .. وكان راعيا لأصحاب الفلسفة، مؤمنا إيمانا عميقا بأن القرآن مخلوق، وبأن الجدل وسيلة صالحة للوصول إلى الحقيقة. واصطنع لنفسه أعوانا من الجانبين .. فجعل الرجل الأول في قصره من كبار أهل السنة، وهو يحيى بن أكثم، وقرب إليه في الوقت نفسه عددا من مفكري المعتزلة على رأسهم الجاحظ شيخ كتاب ذلك الزمان، واحمد بن أبي دؤاد شيخ المعتزلة.
ولكن احمد بن أبي دؤاد كان عنيفا على أهل السنة، يتهمهم بالكفر لأنهم ينكرون خلق القرآن. فإن لم يكن القرآن مخلوقا وكان قديما فهو إذن شريك الله تعالى في القدم .. وهذا شرك! أما المعتزلة فكانوا يرون أن الله كل شيء فالقرآن عن الأشياء التي خلقها الله تعالى .. وحاول احمد بن دؤاد أن يقنع المأمون بقهر مخالفيه على اعتناق رأيه، ولكنه أبى ذلك فالمأمون يرى أن غلبة الحجة خير من غلبة القوة .. فالقوة تزول، أما الحجة فباقية ما بقى العقل.
وجمع المأمون أربعين من المفكرين والقضاة والعلماء والفقهاء فتناظروا عنه، غير أنهم لم ينتهوا إلى اتفاق! .. لم يشهد احمد بن حنبل هذا الاجتماع، وإذ كان لا يغشى مجالس الحكام، ولا يقبل عطاءهم، مهما تكن شدة حاجته .. كان مشغولا عن كل هذا بما هو فيه من تدريس وعلم وجمع للأحاديث. ثم إن رأيه معروف لا يجادل فيه بعد .. فقد نهى عن الخوض فيما لم يخض فيه السلف والسلف لم، يخوضوا في خلق القرآن .. ولقد أعلن أكثر من مرة: "ما أفلح صاحب كلام".
بعد المناظرة خرج أهل السنة يهاجمون أصحاب الكلام في الحلقات، ويتهمون من يقولون بخلق القرآن بأنهم كفار .. أو بالقليل أصحاب بدعة!! ولم يستطع يحيى بن أكثم وهو من شيوخ أهل السنة أن يسكت أصحابه، فعرضوا بالمأمون نفسه! وشجع انشغال المأمون بالخلافات الداخلية جيوش الروم فهددت أطراف الدولة، فخرج المأمون بالخلافات الداخلية جيوش الروم فهددت أطراف الدولة، فخرج المأمون بجيشه مجاهدا، وأخذ معه الجاحظ واحمد ابن دؤاد مستشاره الأول ..
وحين استقر الخليفة على رأس جيشه في طرطوس، داهمه المرض، فانتهز احمد بن أبي دؤاد الفرصة وأنبأه أن أهل السنة في بغداد قد انتهزوا فرصة غيابه ومرضه ليشعلوا الفتنة ضده، فهم يكفرون من يقول إن القرآن مخلوق وعلى رأسهم الخليفة..!!
وإذن فالخليفة مطالب بأن يصنع شيئا لإنقاذ الدولة! وأمر الخليفة بأن يتولى احمد بن دؤاد عنه أمر الذين يكفرون من يقول بخلق القرآن .. فأرسل إلى نائب الخليفة في بغداد بأن يجمع كل الفقهاء والعلماء والقضاء وأهل الرأي ليمتحنهم في خلق القرآن. فمن أنكر خلق القرآن فليعزل من منصبه، ولينذر من ليس في منصب منهم أنه لن يتولى منصبا أبداً، ولن تقبل له شهادة، وليأمر القضاة منهم بأن يمتحنوا الشهود في خلق القرآن، فمن خالف رأي الخليفة فلا تقبل شهادته .. وسمى له أسماء من يجب أن يمتحنهم وفيهم احمد بن حنبل!
ورفضوا جميعا القول بخلق القرآن.
فأرسل الخليفة يطلب سبعة منهم، فأجابوه إلى ما أراد، فأعادهم إلى بغداد، طلب إعلان اعترافهم، وطلب إعادة سؤال الباقين في بغداد. وجاء نائب الخليفة بهؤلاء .. فمنهم من أبى الخوض في الموضوع كالإمام احمد بن حنبل، ومنهم من قال إن الرأي ما يراه الخليفة، ومنهم من أنكر خلق القرآن، ومنهم من أقر بأن القرآن مخلوق .. وأرسل نائب الخليفة في بغداد إلى احمد بن دؤاد بما حدث .. فأرسل احمد ابن أبي دؤاد باسم المأمون رسالة طويلة، يسب فيها الجميع ويتهمهم بالرشوة والفساد، والسرقة، والنفاق والتظاهر وحب الرياسة .. لم يترك أحدا منهم إلا الإمام احمد بن حنبل، فقد اتهمه بالجهل!.
ثم إنه أمر نائب الخليفة بأن يهددهم بالقتل، إذا لم يوافقوا على أن القرآن مخلوق .. فمن وافق منهم فليشهر أمره في الناس، ومن لم يوافق فليرسله في الأصفاد والأغلال إلى أمير المؤمنين!. وأمير المؤمنين إذ ذاك قد ثقل عليه المرض .. فقد اشتهى رطبا غسله في ماء جدول بارد، فأصابته حمى زادته مرضا على مرض، حتى كان يفقد الوعي فترات طويلة، ولم ينفعه طب
قال احمد بن حنبل حين سئل أول الأمر عن القرآن: "هو كلام الله". فسأله نائب الخليفة أمخلوق هو؟ قال: "هو كلام الله لا أزيد عليها". وسئل ما معنى "سميع بصير، أهو سميع من أذن يبصر عن عين؟" قال الإمام احمد: "ما أدري، هو كما وصف نفسه" .. دعا نائب الخليفة كل العلماء والفقهاء والقضاة، وعرض عليهم رسالة احمد بن دؤاد التي يهددهم فيها الخليفة بالقتل إن لم يوافقوا على أن القرآن مخلوق ..
وأحضرهم جميعا فإذا بهم كلهم يجيبون بأن القرآن مخلوق..! وكان الإمام